«بنشوف موضوعك!!»الجملة اللي عطّلت معاملة المواطن وراحة الموظف

عبدالله بن محمد العبري
أحياناً الواحد ما يتعب من كثر الشغل، يتعب من الأشياء اللي بدأها وما قدر يخلصها. تشوف الموظف في سلطنة عمان يطلع من الدوام، يسكر الكمبيوتر، يركب سيارته ويقول: «خلاص، اليوم خلص». لكن في الحقيقة اليوم ما خلص؛ لأن فيه معاملة لمواطن ما تسكرت، وتوقيع ينتظر، واتصال قال بسويه وما سواه، وموضوع قال عنه: «بنشوفه باكر». يوصل البيت بجسمه، لكن عقله بعده في المكتب، واقف عند نفس المعاملة ويقول: «متى عاد بنخلص من هالسالفة؟»
القصة ما جديدة أصلها من عام 1927، يوم لاحظت الباحثة بلوما زيغارنيك نادل في أحد مقاهي برلين يتذكر طلبات الزبائن كلها، لكن يوم دفعوا الحساب وانتهت الخدمة نسيها تقريباً. ومن هنا بدأت دراسة ظاهرة عُرفت لاحقاً بـ«تأثير زيغارنيك»: الشيء اللي ما خلصناه يظل عالق وطايق في بالنا أكثر من الشيء اللي انتهينا منه. يعني باختصار: إذا خلصت السالفة، العقل يقول «زين، خلصنا». أما إذا ظلت وجلست معلقة، العقل يقول لك كل شوي: «ترى عندك سالفة ما خلصتها.»
وهذا بالضبط اللي يصير مع بعض الموظفين. ممكن ينجز خمسين معاملة في يوم واحد وما يتذكر منها شيء في الليل، لكن تبقى معاملة وحدة ما خلصها وتمشي معه في السيارة، وتروح معه البيت، وتجلس معه على العشا، ويمكن تدخل معه غرفة النوم بعد. وإذا وصلته رسالة من المواطن تقول: «أخي، شي جديد؟» خلاص، رجعت المعاملة للحياة مرة ثانية. وبعض المعاملات، بصراحة، صارت أكثر التزاماً من أصحابها؛ تحضر مع الموظف قبل الدوام وتجلس معه بعد الدوام.
وهنا يدخل الاقتصاد السلوكي. الإنسان ما يتعب بس من اللي يسويه، أحياناً يتعب من اللي ما قدر يخلصه. كل معاملة معلقة تسوي سؤال صغير في الرأس: أتصل؟ أنتظر؟ أرفعها للمدير؟ أطلب مستند؟ أرجعها؟ أتابع القسم الثاني؟ وكل سؤال لوحده بسيط، لكن يوم تجمعهم كلهم في رأس واحد، تحصل الموظف آخر اليوم يقول: «والله ما سويت شي اليوم، بس أنا تعبان!» وهو في الحقيقة جلس اليوم كله وهو يحاول يطفي حرائق صغيرة ما تنطفي.
والسالفة ما هي دائماً لأن الموظف ما يريد يشتغل. أحياناً النظام نفسه يعلمه إن التأجيل أأمن من القرار. إذا اتخذ قرار وطلع فيه خطأ، يمكن أحد يسأله: «ليش سويت كذا؟» أما إذا خلى المعاملة عنده، يقدر يقول: «كنت أنتظر»، «الموضوع عند القسم الثاني»، «بنشوف»، «إن شاء الله قريب». وهنا تطلع العبارة الإدارية الخالدة: «خله عندي وبنشوف.» عبارة جميلة جداً؛ لا قالت للمواطن نعم، ولا قالت له لا، ولا حتى قالت له متى. لكنها تعطي الجميع إحساس مؤقت إن الموضوع تحت السيطرة، مع إن الموضوع نفسه يمكن يكون ضايع في مكان ما بين درج الموظف ونظام الكمبيوتر.
المشكلة إن «بنشوف» أحياناً تطول أكثر من اللازم. المواطن ينتظر، والموظف يتذكر، والمدير يسأل، والقسم الثاني ينتظر، وبعدها يجي اجتماع عشان نعرف ليش المعاملة ما خلصت، وبعد الاجتماع نسوي اجتماع ثاني عشان نتابع الاجتماع الأول. وفي النهاية تكون عندنا معاملة وحدة سببت توتراً لأربعة أشخاص، ورسالتين واتساب، وثلاثة إيميلات، واجتماعين، وعبارة «إن شاء الله قريب». المؤسسة تكون مشغولة جداً، بس السؤال: هل تحركت فعلاً؟
وهنا لازم نكون منصفين. ما كل تعب سببه المعاملات المعلقة، وما كل موظف متوتر عنده مشكلة في العمل. لكن كثرة الأشياء المفتوحة ممكن تزيد الضغط الذهني، خصوصاً إذا الموظف ما يعرف متى بتنتهي، ومن المسؤول عنها، وشو الخطوة الجاية. لذلك بدل ما نقول للموظف: «خفف قلقك» أو نرسل له تعميما جديد «ضرورة سرعة الإنجاز»، المفروض نسأل السؤال الأصعب: ليش صممنا النظام بحيث يكون تأجيل المعاملة أسهل من إغلاقها؟
يمكن نحتاج نغير طريقة قياس الأداء. بدل ما نسأل الموظف فقط: «كم معاملة أنجزت؟» نسأله: «كم معاملة سكرت؟ وكم وحدة بعدها مفتوحة؟ وليش؟» لأن فيه فرق بين معاملة تأخرت لأنها تحتاج موافقة واضحة، ومعاملة ما حد يعرف ليش بعدها موجودة. الأولى تحتاج وقت، والثانية تحتاج إدارة.
كل معاملة ما خلصت اليوم لازم يكون لها سبب واضح، وشخص مسؤول عنها، وخطوة جاية، وموعد للمراجعة. ما نحتاج نسكر كل شيء بسرعة، لكن نحتاج نعرف وين رايح كل شيء. المواطن إذا عرف أن معاملته تحتاج خمسة أيام، ممكن يصبر. لكن إذا قالوا له «إن شاء الله»، بدون ما يعرف من يتابع ومتى يردون عليه، يبدأ يتصل كل يوم، والموظف يبدأ يتوتر، والمدير يبدأ يسأل، والمعاملة تبدأ تعيش حياتها الخاصة.
وفي النهاية، يمكن الموظف ما يحتاج دائماً إجازة أطول. يمكن يحتاج فقط نظام يخليه يطلع من الدوام وهو مرتاح إن الأشياء اللي ما خلصت لها مكان واضح في حدول باكر. والمواطن بعد ما يحتاج دائماً موظف جديد؛ يمكن يحتاج يعرف ببساطة: شو صار في معاملتي؟ من يتابعها؟ ومتى تخلص؟
يمكن أهم درس من قصة زيغارنيك بعد قرابة مائة سنة هو أن الشيء غير المكتمل ما يظل في المكتب. أحياناً يطلع معك للسيارة، ويرجع معك للبيت، ويجلس معك على العشا، ويمكن حتى ينام معك.
عشان كذا، قبل لا نقول للموظف: «وازن بين حياتك وعملك»، خلونا نسأل أنفسنا أولاً: هل صممنا العمل بطريقة تسمح له فعلاً يترك العمل في المكتب؟
لأن الموظف ممكن يسكر الكمبيوتر ويطلع من الباب، لكن إذا كانت المعاملة بعدها معلقة في رأسه، فهو ما طلع من الدوام بالكامل.
العمل ياخذ وقتك، لكن الأشياء المعلقة ممكن تاخذ راحتك بعد. والمؤسسة الذكية ما اللي تخلي موظفيها يشتغلون أكثر، لكن اللي تساعدهم يخلصون اللي بدأوه.





