‏عين صلالة حيث “يصمت‏ اللِّسانُ وطرفُها يتكلَّمُ “

حمود بن سالم السيابي‏‏

ما أكثر جريان العيون في ظفار وآخرها “عين صلالة”.‏إلَّا إن كل العيون تتطلَّب المشي إليها بحذر ، عدا “عين صلالة” ستسابقك الابتسامة للوصول إليها.‏وكل العيون ستنحني إليها لتغترف الماء ، أو لتتأمل ثبات “الكُمَّة” على رأسك ، أو للتأكد من وضعية “صنفة مصرّك” عدا “عين صلالة” فلن تجبرك على الانحناء للماء ، لأنك ستسافر مع قطراته إلى أعلى لتعتصر غيمة حَيِيَّة أو تشير لأخرى فتمطر ليصل خراجها إلى خزائن الفرح.‏

ولطالما وقفتُ بالساعات أنتظر دوري لدخول إحدى كبسولات “لندن آي” التي أبصرتْ النور في ٣١ ديسمبر ١٩٩٩ وما زلتُ أراود هذه العين العصية مع كل زيارة لبريطانيا ، لعلها تفسح لي موضعا بين جفنيها ، لكن اشتداد الزحام يحول دوما دون أن أصعد لأقترب من عقارب ساعة “بج بن” وأبراج كنيسة “وستمينيستر” ومحكمة لندن وجسر “واترلو” والسقف الزجاجي لمدخل مستشفى “سانت توماس” الذي اعتلاه مغامر ذات جنون ليرى السلطان برغش بن سعيد الزائر للمستشفى في يونيو ١٨٧٥م.

‏والشيء بالشيء يذكر فإنَّ المقيمين بظفار والزوار لا بد وأن يقبلوا على “عين صلالة” الدعجاء لتحتويهم بأهدابها وحَوَرِها فيروا من علوِّها بوابة قصر “الحصن” العامر وأطلال “سمهرم” وستمكنهم من قطْف “المشلاي” من نارجيل “الدهاريز” وضبْطِ ساعاتهم على توقيت “برج النهضة” الشامخ.‏

والزائر لخريف ظفار ٢٠٢٦ سيفاجأ بأن الأفق لم يعد حكراً على تأرجح ذوات السعفات الطوال ، فعين صلالة اليوم باتت أطول النخلات في أفق مدينة تدخر الدهشة لضيوفها كل عام.‏وإذا كان الزحام في “لندن آي” قد حجب عني الاطلالة على العاصمة القديمة للامبراطورية التي لا تغيب عن علمها الشمس فإن “عين صلالة” ستحملني لأرى عاصمة السياحة في بلاد العرب من البحر إلى البحر.‏

ولأن كل العيون في ظفار تتطلب التزود لها بلياقة المشي على الحجارة التي غسلها الرذاذ ، فإن “عين صلالة” تكفيها الابتسامة كزاد للتحليق معا إلى حيث يتسكب الماء.

‏وأختم برائعة بشار بن برد:‏وإذا التقينا والعيونُ روامقٌ‏صمَتَ اللِّسانُ وطرفُها يتكلَّمُ‏فإن في طرف “عين صلالة” من الكلام ما يُصْمِتُ اللسان.‏

مجلة “الواحة العُمانية” تُصدر عددًا خاصًا بمناسبة الذكرى السادسة لتولي جلالة السلطان هيثم بن طارق مقاليد الحكم
زر الذهاب إلى الأعلى