المرأة العُمانية في القطاعات غير التقليدية… كفاءات شابة تقود اقتصاد المعرفة

مسقط في 3 فبراير 2026 /العُمانية/أضحى حضور المرأة العُمانية الشابة في القطاعات غير التقليدية مسارًا وطنيًّا راسخًا، يتجاوز كونه مؤشرًا اجتماعيًّا للمساواة ليعكس شراكة معرفية فاعلة تدعم الاقتصاد القائم على الابتكار والتقنيات المتقدمة والاستدامة. وتنسجم هذه المشاركة مع التوجهات الاستراتيجية التي تضع اقتصاد المعرفة في صميم أولويات التنمية، وفق مستهدفات رؤية عُمان 2040.

وفي مشهد يجسّد هذا التحول، تبرز كفاءات نسائية عُمانية في قطاعات نوعية مثل الطاقة والمعادن، والأمن السيبراني، والهندسة الكيميائية، والذكاء الاصطناعي، وهندسة المعدات الطبية، حيث لم تعد المرأة شريكًا في التنفيذ فحسب، بل أصبحت عنصرًا محوريًّا في التخطيط وصناعة القرار وتطوير الحلول المستقبلية.

وفي هذا الإطار، استعرضت عدد من الشابات العُمانيات تجاربهن المهنية، مسلّطات الضوء على مساراتهن الوظيفية وطبيعة أدوارهن، وكيف يسهم عملهن اليومي في دعم الاقتصاد الوطني وبناء مستقبل مستدام.

ففي قطاع الطاقة والمعادن، أوضحت زينب بنت علي السعدي، مدير دائرة الصحة والسلامة والبيئة بوزارة الطاقة والمعادن، أن التكوين العلمي والتدريب المتخصص أسهما في بناء قاعدة معرفية ومهنية متينة مكّنتها من فهم طبيعة القطاع ومتطلباته التشغيلية والتنظيمية، والعمل بكفاءة في بيئات ذات متطلبات عالية. وأشارت إلى أن التدريب العملي المباشر لعب دورًا أساسيًّا في تحويل المعرفة النظرية إلى ممارسة واعية، وتعزيز القدرة على إدارة المخاطر والالتزام بمعايير السلامة والاستدامة.
وبيّنت أن اختيارها لمسار مهني غير تقليدي انطلق من قناعة بأهميته الاستراتيجية للاقتصاد الوطني، ورغبتها في الإسهام الفاعل في قطاع تُعد فيه الصحة والسلامة والبيئة ركائز أساسية للأداء المسؤول وصون الموارد. وأضافت أنها بدأت مسيرتها بالحصول على درجة البكالوريوس في هندسة البترول والموارد المعدنية (بتخصص فرعي في الهندسة الكيميائية والبتروكيميائية) من جامعة السلطان قابوس، ثم نالت درجة الماجستير في سلامة العمليات ومنع الخسائر من جامعة شيفيلد بالمملكة المتحدة، إلى جانب برامج تدريبية عملية في شركة تنمية نفط عُمان والجمعية العُمانية للطاقة، والمشاركة في البرنامج الوطني للحياد الصفري.

وأكدت أن اعتماد أساليب تدريب حديثة، مثل المحاكاة والتعلم الرقمي والواقع الافتراضي، أسهم في رفع كفاءة التدريب واستيعاب العمليات المعقدة، مشيرة إلى أن تراكم الخبرات والتعلم المستمر قادها للتدرج الوظيفي حتى تولّي منصبها الحالي في عام 2021، ضمن مسيرة امتدت لنحو عقدين.
وفي مجال الأمن السيبراني، قالت إيمان بنت محمد بن خميس الرواحية، مدير دائرة أمن المعلومات الإلكترونية بمحافظة مسقط، إن بناء قاعدة علمية راسخة في تقنية المعلومات شكّل منطلقًا لمسيرتها المهنية، من خلال فهم أنظمة التشغيل والشبكات وقواعد البيانات والبرمجة وتحليل الأنظمة، وهو ما مكّنها من استيعاب التهديدات السيبرانية وسبل الحد من مخاطرها في ظل التحول الرقمي المتسارع.

وأشارت إلى أن الاطلاع المستمر على أفضل الممارسات العالمية والمراجع المهنية المتخصصة عزّز الربط بين الجانب النظري والتطبيقي، وأسهم في تطوير الأطر التنظيمية لحماية المعلومات والحوكمة الرقمية. وأضافت أن المشاركة العملية في إعداد السياسات والإجراءات الأمنية ومتابعة الامتثال أسهمت في صقل مهاراتها وبناء رؤية شاملة للتحديات السيبرانية، لاسيما مع بروز تقنيات مثل الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي. وأكدت أن الأمن السيبراني بات عنصرًا أساسيًّا لاستمرارية الأعمال وحماية الأصول الرقمية، مع توفر فرص حقيقية للنمو المهني في بيئة عمل تشهد وعيًا متناميًا بأهميته.
من جانبها، أكدت المهندسة ابتسام بنت خميس الهلونية، رئيس قسم إدارة المواد الكيميائية بدائرة إدارة المواد الكيميائية والنفايات بهيئة البيئة، أن مسارها في الهندسة الكيميائية تأسس على مزيج من الأسس العلمية الصلبة والميول المعرفية، شملت الرياضيات والفيزياء والكيمياء والأحياء، إلى جانب مجالات الهندسة التطبيقية التي تُعنى بتحويل المواد الخام إلى منتجات ذات قيمة اقتصادية، وتحسين كفاءة العمليات الصناعية بيئيًّا واقتصاديًّا.
وأوضحت أن ارتباط الهندسة الكيميائية بالحياة اليومية وتعدد تطبيقاتها في قطاعات حيوية مثل البتروكيماويات والأدوية والأغذية والطاقة شكّل دافعًا لاختيار هذا التخصص، إضافة إلى شغف الابتكار وحل التحديات المرتبطة بالطاقة والبيئة. وأشارت إلى أن البيئة العلمية والعملية في السلطنة، وما تتضمنه من مجالات التصنيع والطاقة والبحث والابتكار، أسهمت في توسيع آفاق البحث والتطوير، خصوصًا في ظل التوجهات العالمية المرتبطة بالحياد الصفري الكربوني والطاقة المتجددة والصناعات التحويلية والهيدروجين الأخضر. وأكدت أن الهندسة الكيميائية تمثل منصة واعدة لإسهام المرأة العُمانية الشابة في مسارات الاستدامة والتحول الصناعي.
وفي القطاع الصحي، قالت هاجر بنت ناصر الشندودية، مهندس معدات طبية في القطاع الخاص، إن هندسة المعدات الطبية تمثل نقلة نوعية في الوظائف الهندسية غير التقليدية، حيث تدمج بين الهندسة والعلوم الطبية والتقنيات الرقمية الحديثة. وأوضحت أن هذا التخصص يتطلب فهمًا عميقًا للفيزياء الحيوية وعلم الأحياء والتشريح، إلى جانب البرمجيات وتحليل البيانات، بما يتيح تصميم أجهزة دقيقة وآمنة تسهم مباشرة في تحسين الرعاية الصحية.

وأشارت إلى دور المهندس الطبي في تطوير الأجهزة التشخيصية والعلاجية، وضمان موثوقيتها التشغيلية، وتصميم نظم صيانة ذكية تضمن استدامة الأداء وسلامة المرضى. وأكدت أن توظيف الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة يفتح آفاقًا واسعة لمستقبل الرعاية الصحية، من التشخيص المبكر إلى الروبوتات الجراحية والطباعة ثلاثية الأبعاد، مع التأكيد على أهمية إدارة التحديات التقنية والأخلاقية، وحماية البيانات الصحية، ووضع معايير صارمة للاختبار والتنظيم لضمان استدامة الأنظمة الصحية.





