المجهول أخطر من الجاهل من “سبلة العرب” إلى “أكس” وأخواته

ابراهيم السالمي
كاتب وشاعر عماني
ليس من الحكمة في شيء أن نبقي التعامل مع منصات التواصل الاجتماعي ونستخدمها
بوصفها ساحات عفوية للكلام، ولا منصات عامة يتبادل فيها الناس آراءهم على سجيتهم وعفويتهم وتلقائيتهم وبساطتهم وطبيعتهم. فمن خلال تجربتي الممتدة منذ ١٩٩٩م زمن المنتديات الحوارية الأولى “سبلة العرب”، مرورا بأجيال فيسبوك الثقيلة، وصولا إلى المنصّات الجديدة والمتجددة مثل منصة “أكس” تعلمت أن الخطر الحقيقي لا يكمن فيما يُقال، بل في مَن قال، وكيف، ولماذا قال.
وأنتم تقرأوني هنا على ذات المنصات المعنية اعلموا أني لست بصدد تفكيك خوارزميات تلك المنصات وتقييمها، ولا في قياس منسوب الحرية أو ادّعاءاتها ولا على سبيل المفاضلة بين أسوئها. فتلك معركة أخرى، ولها أهلها من أهل العلم والدراية. أما حديثي معكم هنا فهو أبسط وأقسى في آن واحد لنعي الفرق بين الجاهل والمجهول في مواقع التواصل الاجتماعي، ومن منهما أقدر على الإيذاء.
أما الجاهل مهما بلغ متابعوه ومهما علا صوته يظل جهله معروفا للمتلقي وهو ذاته معروفا في محيطه الواقعي ويمكن تتبعه، وإن بلغ منه ضرر فهو ضرر فردي يندر ما يتعدى ضرره على المجتمع، بل في كثير من الأحايين ذلك الجاهل نفسه يخشى المجتمع ولهذا هو قابل للاحتواء أو التجاهل أو حتى للمواجهة المباشرة. يتكلم بدافع الانفعال، لا بدافع الخطة. يخطئ لأنه لا يعلم، لا لأنه يُدير معركة، ولنا في وطننا الغالي من أولئك أمثلة لا تحصى ولا تعد.
وأما المجهول الذي لا يعرف له موقع ولا واقع، فمنه تبدأ الخطورة الحقيقية والخطر المدروس، فهو لا يكتب عبثا، ولا يدخل النقاش مصادفة. المجهول وراؤه غرفة مظلمة، أو مكتب بارد، أو شبكة تعرف ماذا تريد، ومتى تقول، ولمن تُلقي الطعم. المجهول يا أصدقائي لا يجادل ليقنعك، بل ليُربكك. لا يهاجم مباشرة، بل يزرع الشك، ويؤجّج التناقضات، ويدفع الآخرين من صنف “الجاهل” ليقوموا بالمهمة عنه.
المجهول هو الحيلة الكبرى التي لا تقف في الواجهة، بل تقود الجمع من خلف ستار. المجهول هي وظيفة بوصف وظيفي ومهام محددة. المجهول لا يرفع صوته، إنما يسعى لرفع أصوات الآخرين بما يرغب.
هو لا يُنتج الفوضى ولا يكون في زخمها ولكن يصنع مناخها ويمدها بوقود الاشتعال وحمية الانشغال. هو يسعى لاستخدام الجاهل أداة من حيث يوهمه بأنه صاحب رأي فيمنحه صورة وهمية من البطولة. ومع تكرار الرسائل، وتوزيع الأدوار، وتغذية الانقسامات الصغيرة، تتحوّل المساحات الرقمية إلى حقول انفجار، منطلقها اختلاف في رأي.
خطر المجهول على الجاهل يكمن في المنهجية، في العمل الصامت طويل النفس، في الحسابات التي لا نعرف لها وجها ولا وطنا ولا كلفة اجتماعية.
لهذا أقول الوعي الحقيقي اليوم لا يبدأ بمعرفة ما نقول، بل بمعرفة من نخاطب، ومن يخاطبنا، ومن يقف خلف الستار. ففي زمن الأسماء المستعارة والحسابات الوهمية وقدرات جيل AI، ليس كل منشور يكون بريئا، ولا كل ما ظهر للعيان صادقا، ولا كل جدال عفوي هو حرية رأي.
إن أخطر ما في منصّات التواصل الاجتماعي ليس الضجيج، بل اليد التي تعرف كيف تصنعه فتظهر متى شاءت ثم تختفي متى تشاء.





