الصورة الضوئية في عُمان… لغة بصرية توثق الإنسان والثقافة والمجتمع

مسقط في 9 مارس 2026 /العُمانية/ لم تعد الصورة الضوئية مجرد وسيلة لتوثيق اللحظات أو تسجيل الأحداث، بل أصبحت لغة بصرية قائمة بذاتها تتقاطع مع الرؤية الفنية ووعي الإنسان، وترتبط بالسياقات الثقافية والاجتماعية المختلفة. فالصورة اليوم تُنتج وتُستهلك وتُعاد قراءتها ضمن منظومات متعددة تشمل التكنولوجيا ووسائل الإعلام والمنصات الرقمية، التي تلعب دورًا مهمًا في تشكيل معناها وانتشارها وتأثيرها. كما تمثل أداة للتعبير عن الهوية ووسيلة لفهم التحولات الاجتماعية، وشاهدًا على لحظات مفصلية في حياة الأفراد والمجتمعات.
وفي هذا السياق يرى المصور الضوئي موسى الحجري أن الصورة الضوئية أصبحت جزءًا من الثقافة اليومية وقادرة على نقل واقع المجتمع وقيمه، موضحًا أنها تمثل مرآة دقيقة تعكس تفاصيل حياة الناس في مختلف الأزمنة والأماكن. ويشير إلى أن التقاط مشاهد من الأسواق الشعبية أو المناسبات الوطنية أو ملامح كبار السن لا يقتصر على توثيق لحظة عابرة، بل يحفظ جانبًا من الثقافة والقيم والعادات. وفي المجتمع العُماني، توثق الصورة مظاهر الكرم وروح التعاون والاعتزاز بالهوية، سواء في مشاهد البادية أو البحر أو الجبال.

ويضيف أن قوة الصورة تكمن في قدرتها على تجاوز حاجز اللغة، إذ يستطيع المتلقي من ثقافة أخرى أن يستوعب معاني الانتماء أو الفخر أو البساطة من خلال تعبيرات الوجوه أو تفاصيل الزي التقليدي. كما تتحول العناصر الصغيرة مثل العمامة أو الحلي النسائية أو أدوات المهن إلى رموز ثقافية تحمل دلالات أوسع من إطارها البصري. ويؤكد أن الصورة تسهم في حفظ الذاكرة الجماعية، فهي توثق التحولات الاجتماعية والعمرانية وتبني جسورًا بين الأجيال، حيث يتعرّف الجيل الجديد من خلالها على حياة الأجداد وبيئتهم بطريقة مباشرة ومؤثرة.
ويؤكد الحجري أن الصورة الفوتوغرافية تُعد وسيلة تعبير ثقافي بامتياز، فالمصور لا يكتفي بتسجيل ما يراه، بل يختار زاوية الرؤية والإضاءة واللحظة والعناصر التي يبرزها أو يستبعدها، وهي اختيارات تعكس رؤية وفلسفة خاصة وليست مجرد عملية تقنية. وقد تحمل الصورة رسالة اجتماعية أو ثقافية، فتُبرز جمال تفاصيل الحياة اليومية أو تسلط الضوء على قضايا المجتمع. وبذلك يتحول التصوير إلى خطاب بصري يشبه القصيدة أو اللوحة الفنية، لكنه يعتمد الضوء أداة أساسية للتعبير. وفي التجارب المعاصرة أصبح التصوير مساحة للحوار الثقافي، يعرض من خلالها المصور رؤيته لهوية مجتمعه أمام جمهور محلي وعالمي، ويسهم في تقديم صورة واقعية عنه وتصحيح الصور النمطية.

من جانبه يوضح المصور الضوئي محمود بن محمد الجابري أن الصورة الفوتوغرافية اليوم تؤثر في نظرة الإنسان إلى ذاته وهويته، مشيرًا إلى الفرق بين الصورة التي يصنعها المصور للآخرين وتلك التي يصنعها الفرد لنفسه في عصر الكاميرات الرقمية. ويقول إن توثيق تفاصيل الحياة اليومية في القرى والأسواق والعادات التقليدية يكشف للناس قيمة ما يعيشونه، حيث يكتشف كثيرون أهمية بيئتهم وثقافتهم عندما يرونها مجسدة في إطار بصري.
ويضيف الجابري أنه عند تصوير البيئة العُمانية لا يبحث فقط عن الجمال البصري، بل عن الروح الكامنة في المكان والإنسان، مؤكدًا أن الصورة يمكن أن تعزز الشعور بالانتماء، خصوصًا في ظل التغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم. فعندما يشاهد الشاب العُماني صورة لملامح جده أو لحرفة تقليدية أو لمشهد من حياته اليومية برؤية فنية، فإنه يعيد اكتشاف قيمة هذا الإرث الثقافي ويشعر بالفخر به.

ويشير إلى أن الفرق بين صورة يلتقطها المصور لشخص ما وصورة يلتقطها الفرد لنفسه يكمن في العمق والسياق؛ فالمصور يسعى إلى التقاط لحظة صادقة تعكس الإنسان في بيئته الاجتماعية والثقافية، بينما يميل الفرد في الصور الذاتية إلى اختيار الطريقة التي يريد أن يظهر بها أمام الآخرين، ما قد يختزل هويته في إطار محدود.
ويرى الجابري أنه في ظل انتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي القادرة على توليد الصور والمشاهد الافتراضية، تبقى الصورة الفوتوغرافية الحقيقية مختلفة لأنها تحمل صدق اللحظة وواقعها. فالصورة الرقمية قد تبهر بجمالها، لكنها تظل نتاج خيال أو خوارزمية، بينما تعكس الصورة الواقعية تفاصيل الحياة كما يعيشها الناس. ومن هنا يؤكد أن التصوير مسؤولية تتجاوز التقاط المشهد إلى حفظ ذاكرة بصرية صادقة تعزز الهوية الثقافية للمجتمع.

أما المصورة رشا العبدلي فتتحدث عن الدور الاجتماعي للصورة الضوئية وقدرتها على التأثير في وعي المجتمع بالقضايا الإنسانية والاجتماعية. وترى أن الصورة تعيد تأطير المشهد من خلال زوايا مدروسة تنقل الحدث أو القضية من منظور مختلف يعكس رؤية الفنان ورسالة العمل الفني. وقد يتجاوز دور المصور نقل المشاهد الجمالية إلى التعبير عن أفكار وقضايا إنسانية من خلال تكوين بصري يحمل رموزًا ودلالات.
وتؤكد العبدلي أن المصور فنان يمتلك حسًا إنسانيًا قبل أن يكون صاحب مهارة تقنية، إذ يتعامل مع محيطه بحساسية عالية ويعكس مشاعره وأفكاره عبر الصورة التي يصوغها بعناية في جميع مراحل إنتاجها. كما يبتكر الفنان المبدع أساليب جديدة لعرض القضايا الإنسانية، سواء تلك المرتبطة بالماضي أو القضايا الراهنة، مقدّمًا رؤيته بأسلوب بصري مختلف يؤثر في وعي المتلقي.
وتشير إلى أن بعض التجارب الفنية في التصوير الفوتوغرافي تتجاوز التوثيق التقليدي لتستفيد من المدارس الفنية الحديثة، مما يخلق مساحة تفاعلية للمشاهد ليشارك بخياله في تفسير العمل الفني واستشعار رسالته. وتعد هذه التجارب نقلة نوعية في مفهوم الصورة الفوتوغرافية، حيث توظف التقنيات المعاصرة لتوسيع آفاق التعبير البصري.

من جانبه يتناول المصور الضوئي تركي الجنيبي الصورة الفوتوغرافية بوصفها وثيقة تاريخية، مشيرًا إلى أن الصورة ليست انعكاسًا حياديًا كاملًا للواقع، بل تمثيلًا له يتشكل من خلال اختيارات المصور المتعلقة باللحظة والزاوية والإطار والعناصر الظاهرة أو المستبعدة من المشهد. لذلك فإن الثقة بالصورة بوصفها وثيقة تاريخية تظل نسبية، لأنها تعكس رؤية معينة للحقيقة.
ويؤكد أن الصورة تحمل في داخلها وعي العصر والسياق الثقافي والاجتماعي الذي التُقطت فيه، ومع تطور أدوات المعالجة الرقمية أصبحت العلاقة بين الصورة والواقع أكثر تعقيدًا، ما يستدعي قراءة الصورة بوصفها نصًا بصريًا يحتاج إلى فهم سياقه.
وفيما يتعلق بالصور التي تبقى في الذاكرة العامة وتلك التي تُنسى، يشير الجنيبي إلى أن المؤسسات الإعلامية والأرشيفات والمنصات الرقمية وحتى الخوارزميات تلعب دورًا في ترسيخ صور معينة في الوعي الجمعي. فالصور التي تعبّر عن لحظات مفصلية أو تلامس مشاعر الناس بعمق تكون أكثر قابلية للبقاء، بينما قد تُهمَّش صور أخرى رغم أهميتها.
ويخلص إلى أن الذاكرة البصرية لا تتشكل بشكل حيادي، بل تتأثر بعوامل إعلامية وثقافية وسياسية واقتصادية. ومن هنا يبرز دور المصور في توثيق حياة الناس اليومية وثقافتهم المحلية ولحظات التحول الاجتماعي، مسهمًا بذلك في كتابة تاريخ بصري يمنح حضورًا لمن قد لا يجدون مكانًا في السرديات الكبرى. فالصورة ليست الحقيقة الكاملة، لكنها جزء مهم من روايتها وأحد أبرز الوسائل التي تشكل الذاكرة الإنسانية.





