طموحات عُمان 2040.. ما لا يُستدرَك اليوم لا يُعوَّض غدًا

يكتبه:
أبو الخطّاب سُلطان اليحيائي

ليست المشكلة فيما نراه اليوم. بل فيما سنعجز عن تعويضه غدًا.

في قضايا السكان، لا تُقاس التحوّلات بسرعة ظهورها، بل ببطء إدراكها.
وما يبدو اليوم تراجعًا محدودًا في الإنجاب أو تأخرًا في الزواج، قد يصبح خلال سنوات قليلة واقعًا يصعب تغييره.

المسار السكاني في عُمان لم يَعُد احتمالًا يُناقش، بل واقع يتشكّل بهدوء: انخفاض تدريجي في الإنجاب، تأخر في الزواج، تغيّر في نمط الأسرة، وضغط اقتصادي يعيد تشكيل القرار الشخصي.

وإذا كانت رؤية عُمان 2040 تُراهن على الإنسان، فإن السؤال لم يَعُد: كم عددنا؟
بل: إلى أين نتجه؟

فالتحدي ليس في الرقم، بل في اتجاهه.
والخطر لا يكمن في الانخفاض، بل في استمراره.
ما لا يُولد اليوم لن يُعوَّض غدًا.

أوروبا.. عندما تغيّر المسار من داخل البيت

في التجربة الأوروبية، لم تبدأ القصة كأزمة، بل كتغيّر هادئ في مفهوم الأسرة.
تراجع الولادات لم يُقرأ كإنذار، بل كخيار شخصي و”أسلوب حياة“.
لكن ما بدا حرية، تحوّل إلى قيد.

مجتمعات تتجه نحو الشيخوخة، أنظمة تقاعد تحت الضغط، نقص في القوى العاملة، واعتماد متزايد على الهجرة لسدّ الفراغ.

في بعض الدول، هبط معدل الخصوبة إلى قرابة 1.3، وهو مستوى لا يكفي لتعويض الأجيال.
لم يكن ذلك انهيارًا مفاجئًا، بل نتيجة مسار اختير بهدوء. ثم فُرضت نتائجه بصمت.

وفي عُمان، تشير البيانات إلى أن معدل الخصوبة يقارب 2.4، قريب من مستوى الإحلال، لكنه يتجه للانخفاض.
وأي تراجع إضافي، ولو بدا بسيطًا، يعني فجوة أكبر في الأجيال القادمة.

المشكلة لا تبدأ حين تنخفض الأرقام، بل حين يُعتاد هذا الانخفاض.

مجتمع شاب.. يتغيّر من الداخل

في الظاهر، عُمان مجتمع فتيّ، بمتوسط عمر يقارب الثلاثين.
لكن في العمق، التحوّل بدأ: زواج يتأخر، أسر أصغر، وضغوط معيشية تعيد ترتيب الأولويات.
هذه ليست حالات فردية، بل ملامح نمط يتشكّل.

ومع الوقت، تظهر نتائجه: تباطؤ دخول الأجيال لسوق العمل، ارتفاع تدريجي في فئة كبار السن، ضغط على أنظمة التقاعد، واعتماد أكبر على العمالة الوافدة.

المجتمعات لا تتغير فقط حين يقلّ عددها، بل حين يتبدل سلوكها.

الاقتصاد.. حين يفقد نبضه بهدوء

الاقتصاد ليس أرقامًا جامدة، بل دورة تبدأ بالإنسان.
كل مولود حلقة: تعليم، عمل، إنتاج، واستهلاك.
وعندما تتقلّص هذه الحلقة، لا يتوقف الاقتصاد، لكنه يفقد زخمه.
السوق يضيق، الطلب يتراجع، النمو يبهت، والاعتماد على الخارج يتزايد.

وفي الخلفية مفارقة واضحة: جيل حاضر عدديًا، لكن الفرص لا تنمو معه بالوتيرة نفسها.

ومع ارتفاع تكاليف المعيشة وضعف الأثر الحقيقي لزيادة الدخل، يتأخر الاستقرار، ويتأجل تأسيس الأسرة.
الاقتصاد لا ينهار فجأة، بل يبرد تدريجيًا.

التوظيف.. نظام ثابت وواقع متغيّر

تعتمد أنظمة التوظيف على مسارات تقليدية: دخول مبكر، خدمة ممتدة، واستقرار تدريجي.
لكن الواقع تغيّر: التوظيف يتأخر، والفرص لم تَعُد مضمونة.

هنا تتشكّل فجوة صامتة: نظام يفترض بداية مبكرة، وواقع يؤجلها.

السؤال لم يَعُد تنظيميًا فقط، بل وجوديًا:
هل ما زالت هذه المعايير تعكس حياة الناس فعلًا؟

المطلوب ليس كسر النظام، بل منعه من أن يتحول إلى عائق.

الزواج.. عندما تصبح البداية مؤجلة

لم يَعُد الزواج خطوة طبيعية، بل قرارًا مؤجلًا.
شاب يؤجله لضعف الإمكانيات، وآخر يخشاه، وثالث ينتظر استقرارًا قد لا يأتي في الوقت المتوقع.
الإيجار يسبق الدخل، والاستقرار يتأخر، وتكاليف الحياة تعيد ترتيب كل شيء.

والنتيجة واحدة: تأخر في الزواج، انخفاض في الإنجاب، وتغيّر في شكل الأسرة.
لم يَعُد الزواج بداية الحياة، بل مشروعًا ينتظر الإذن من الواقع.

عند اختلال التوازن

النتائج لا تنفجر دفعة واحدة، بل تتراكم: ضغط نفسي، قلق، إرهاق يومي يتسلل بهدوء.
فالإنسان لا ينكسر فجأة، بل يُستنزف حتى يتغيّر.

الخاتمة: التحوّل لا ينتظر

ما يحدث اليوم ليس أرقامًا عشوائية، بل مسار يتشكّل من تداخل الاقتصاد والسلوك والبيئة.

ومع تأثير المحتوى غير المنضبط في الفضاء الرقمي، تتسلل أنماط جديدة تعيد تشكيل القرارات دون وعي واضح.

الخطر ليس في ما نراه، بل في ما نعتاد عليه.

ومع تأخر المعالجة، تتحول الحالات الفردية إلى ظواهر، وتصبح الكلفة مضاعفة.

ما يمكن تداركه مبكرًا يصبح مكلفًا لاحقًا، ثم مستحيلًا.

وعندها لا يُطرح السؤال: كيف حدث؟
بل: لماذا تركناه يحدث؟

فالتحوّلات لا تنتظر أحدًا.
ولا ترحم من يتأخر في قراءتها.

مجلة “الواحة العُمانية” تُصدر عددًا خاصًا بمناسبة الذكرى السادسة لتولي جلالة السلطان هيثم بن طارق مقاليد الحكم
زر الذهاب إلى الأعلى