حين يصنع الحصار نهضة… وتبدد النعمة الفرص

حسن أحمديان
أكاديمي إيراني

سبعة وأربعون عاماً مضت على الثورة الإيرانية، عاشت خلالها إيران تحت واحد من أقسى أنظمة العقوبات في العصر الحديث. ومع اختلاف المواقف السياسية تجاهها، يبقى السؤال التنموي مشروعاً: كيف استطاعت دولة محاصرة أن تبني قطاعات علمية وصناعية وتقنية، بينما تعثرت دول أكثر ثراءً وموارد؟

في ميدان العلم والمعرفة، تشير أرقام دولية إلى تقدم لافت لإيران في النشر العلمي والبحث الأكاديمي، وقفزات في مجالات الهندسة والتقنيات الحديثة والخلايا الجذعية. هذا يعني أن الاستثمار في الإنسان ظل خياراً قائماً، حتى في أصعب الظروف. فالدول التي تراهن على العقول لا تهزمها القيود بسهولة.

وفي ميدان الاكتفاء والسيادة الاقتصادية، استطاعت إيران أن تعزز إنتاجها المحلي في الغذاء والدواء، وأن تقلص اعتمادها على الخارج بدرجات كبيرة. لقد تعاملت مع الحصار بوصفه تحدياً وجودياً، فتحول الضغط إلى دافع، والحرمان إلى مشروع تصنيع، والعقوبات إلى فرصة لإعادة ترتيب الأولويات.

أما في الفضاء والطاقة، فقد تمكنت من دخول مجالات شديدة الحساسية والتعقيد، من الأقمار الصناعية إلى البرامج النووية السلمية، وهو ما يعكس وجود رؤية بعيدة المدى لا تكتفي بإدارة اليوم، بل تفكر في الغد.

وعند الانتقال إلى المشهد العربي، يبرز التناقض المؤلم. العالم العربي يمتلك الثروة البشرية والموارد الطبيعية والموقع الجغرافي ورؤوس الأموال، لكنه ما زال في كثير من المجالات مستهلكاً أكثر منه منتجاً، ومستوردًا أكثر منه مصنعاً، ومتلقياً أكثر منه مبادراً.

لدينا مدن حديثة، وأبراج شاهقة، ومراكز تسوق عملاقة، ومشاريع ترفيهية ضخمة، لكن السؤال الأهم: أين الصناعات الدوائية الكبرى؟ أين مراكز الأبحاث الرائدة؟ أين الأمن الغذائي الحقيقي؟ أين التكنولوجيا التي تحمل اسماً عربياً وتنافس العالم؟

ليست القضية في مدح دولة أو ذم أخرى، فلكل تجربة ما لها وما عليها. القضية في استخلاص الدرس. فالتنمية لا تصنعها الوفرة وحدها، بل تصنعها الإرادة السياسية، والانضباط المؤسسي، والتعليم الحقيقي، وربط الثروة بالإنتاج، والإنفاق بالمستقبل.

لقد أثبتت تجارب التاريخ أن الحصار قد يكسر دولاً، لكنه قد يصنع دولاً أخرى، إذا امتلكت قرارها. كما أثبتت أيضاً أن النعمة قد تتحول إلى عبء إذا غابت الرؤية، واستُبدلت الصناعة بالمظاهر، والمعرفة بالاستهلاك.

السيادة لا تشترى، ولا تستورد، ولا تمنح في اتفاقية. السيادة تبدأ من مدرسة قوية، ومختبر منتج، ومزرعة مكتفية، ومصنع وطني، وعقل يؤمن أن الأمم تبنى بالعمل لا بالشعارات.

مجلة “الواحة العُمانية” تُصدر عددًا خاصًا بمناسبة الذكرى السادسة لتولي جلالة السلطان هيثم بن طارق مقاليد الحكم
زر الذهاب إلى الأعلى