من وهم الاستقرار إلى هندسة المستقبل الدولي

د . عدنان الأنصاري
دبلوماسي وسفير سابق

‏إن أعظم دروس التاريخ ليست في ما حدث بل في ما لم يكن متوقعاً.
‏وإذا كانت أوروبا 1900 قد عجزت عن تصور الحرب فإن العالم اليوم قد يعجز عن تصور شكل الصراع القادم—وهنا يكمن الخطر.

‏المستقبل لن يُصنع بواسطة من يقرأ الواقع بل بواسطة من يشكك فيه.
‏ولن يقوده من يطمئن للاستقرار بل من يستعد لانهياره.

‏إن توقع المستحيل لم يعد ترفاً فكرياً… بل ضرورة وجودية في عالم يُعاد تشكيله بسرعة تفوق قدرة الإدراك.

‏وفي هذا السياق فإن الدول التي ستنجو—بل وتتفوق—ليست تلك التي تملك الموارد فقط بل تلك التي تملك رؤية تتجاوز الحاضر وجرأة لمواجهة غير المتوقع وقدرة على تحويل الاحتمال إلى واقع .

‏في لحظات الهدوء الكبرى تُرتكب أعظم أخطاء التقدير الاستراتيجي.
‏فالتاريخ لا يُخدع بالاستقرار الظاهري بل يتربص به.

‏إن الفكرة الجوهرية هي أن النظام الدولي لا يُقرأ بما هو كائن بل بما يُحتمل أن يكون—حتى لو بدا ذلك مستحيلاً.
‏أولاً: وهم الاستقرار… عندما يصبح الحاضر فخاً استراتيجياً
‏في عام 1900 كانت أوروبا تعيش ذروة الاستقرار ازدهار اقتصادي ترابط تجاري وثقة مطلقة في استحالة الحرب.
‏لكن هذا الاستقرار لم يكن سوى غطاء رقيق يخفي تراكمات عميقة من التوترات البنيوية.
‏الخطر الحقيقي في السياسة الدولية ليس في الصراعات الظاهرة بل في تلك التي لم تُدرك بعد.

‏اليوم، يكرر العالم نفس الخطأ:
‏الاعتماد المفرط على العولمة
‏الاعتقاد بأن الترابط الاقتصادي يمنع الحروب
‏الثقة في أن التكنولوجيا تعزز الاستقرار

‏لكن الواقع يشير إلى عكس ذلك:
‏الحرب لم تختفِ بل تغيرت أدواتها (سايبر اقتصاد ذكاء اصطناعي)
‏الترابط أصبح أداة ضغط لا ضمان سلام .
‏التكنولوجيا زادت من سرعة الانهيارات لا مناعتها .

‏وهنا تتجلى فكرة توقع المستحيل : أن ما يبدو مستبعداً اليوم قد يكون هو السيناريو الأكثر ترجيحاً غداً.
‏الجغرافيا السياسية كـ يد خفية للنظام الدولي.

‏فإن الجغرافيا السياسية تمثل اليد غير المرئية التي تحكم سلوك الدول وهو امتداد عميق لفكرة آدم سميث حول اليد الخفية ولكن على مستوى الدول لا الأسواق.
‏فالدول مثل الأفراد تتحرك بدوافع:
‏البقاء
‏تعظيم القوة
‏تقليل المخاطر
‏لكن ما يغفله الكثير هو أن:
‏المصالح قصيرة المدى حين تُمارس دون وعي استراتيجي تتحول إلى مسارات تقود إلى أزمات طويلة المدى.
‏وهذا ما حدث في أوروبا قبل الحرب العالمية الأولى ويحدث اليوم في:
‏التنافس الأمريكي–الصيني
‏التمدد الإقليمي للقوى الوسطى
‏صراعات الطاقة والممرات البحرية (مثل هرمز وباب المندب)
‏الجغرافيا هنا ليست مجرد موقع… بل قدر استراتيجي.

‏من التوازن إلى السيولة… تحوّل بنية النظام الدولي
‏في القرن العشرين كان العالم قائماً على توازن القوى .
‏اليوم نحن أمام نظام مختلف: نظام سيّال (Fluid System)، حيث:
‏الاقتصاد والتكنولوجيا أدوات صراع موازية للسلاح
‏وهنا تبرز رؤية المدرسة الصينية الحديثة (دونغ):
‏القوة في القرن الحادي والعشرين ليست في السيطرة بل في القدرة على تشكيل الخيارات المتاحة للآخرين.
‏بمعنى:
‏من يتحكم في سلاسل الإمداد يتحكم في القرار
‏من يملك البيانات يملك النفوذ
‏من يقود الذكاء الاصطناعي يحدد شكل الردع الجديد

‏الدرس المركزي—لماذا يفشل بعض القادة في رؤية المستقبل؟
‏لأنهم أسرى اللحظة.
‏القادة والمؤسسات وحتى النخب الفكرية:
‏تبالغ في تقدير استمرارية الحاضر
‏تقلل من احتمالية الانقطاع التاريخي
‏تتجاهل السيناريوهات غير المريحة
‏المشكلة ليست في نقص المعلومات بل في نقص الخيال الاستراتيجي.
‏فالخطر ليس في ما نعرفه… بل في ما نستبعده.

‏نحو نموذج استشرافي جديد—هندسة المستقبل بدلاً من انتظاره
‏استناداً إلى هذا النموذج التحليلي يمكن صياغة إطار استشرافي للمستقبل الدولي يقوم على خمس ركائز:
‏التفكير بالسيناريوهات القصوى (Extreme Scenarios)
‏ لا يكفي التفكير في الأرجح بل يجب الاستعداد لـ المستحيل المحتمل .
‏دمج القوة الصلبة والناعمة والذكية
‏ (Hard + Soft + Smart Power)
‏ حيث تصبح التكنولوجيا هي الرابط الحاسم بينها.
‏التحرر من وهم الاستقرار
‏ كل استقرار يحمل في داخله بذور تفككه.
‏إعادة تعريف الأمن القومي
‏ ليشمل:
‏الأمن الغذائي
‏الأمن السيبراني
‏الأمن التكنولوجي
‏الاستثمار في القدرة على التكيف لا القدرة على السيطرة.
‏ لأن العالم لم يعد قابلاً للسيطرة… بل للتكيف فقط.

مجلة “الواحة العُمانية” تُصدر عددًا خاصًا بمناسبة الذكرى السادسة لتولي جلالة السلطان هيثم بن طارق مقاليد الحكم
زر الذهاب إلى الأعلى