قانون الإفلاس ركيزة لتعزيز استقرار السوق ودعم تنافسية بيئة الأعمال

مسقط في 3 يناير 2026 /العُمانية/يُعد الإفلاس التجاري من القضايا المحورية في منظومة الأعمال، نظرًا لما له من تأثير مباشر على استقرار الأسواق وتعزيز ثقة المستثمرين، وهو ما يحظى باهتمام متزايد في ظل سعي سلطنة عُمان إلى ترسيخ تنافسية السوق وبناء بيئة استثمارية عادلة ومحفزة، انسجامًا مع مستهدفات رؤية «عُمان 2040».

وفي هذا الإطار، أصدرت سلطنة عُمان قانون الإفلاس بموجب المرسوم السلطاني رقم (53/2019)، الذي دخل حيّز التنفيذ في يوليو 2020، ليشكّل خطوة جوهرية نحو تطوير بيئة الأعمال وتوفير مظلة قانونية متكاملة تنظم إجراءات الإفلاس التجاري بشفافية، وتمنح الشركات المتعثرة أو المفلسة فرصًا حقيقية لإعادة الهيكلة بدلًا من اللجوء المباشر إلى التصفية، إلى جانب حماية حقوق جميع الأطراف المعنية.

ويهدف القانون إلى إرساء إطار قانوني متوازن يُعالج حالات التعثر المالي عبر مسارات متعددة، تبدأ بإعادة الهيكلة بوصفها فرصة للإنقاذ، مرورًا بالصلح الواقي من الإفلاس، وانتهاءً بإشهار الإفلاس عند تعذر الحلول الأخرى، بما يسهم في حصر الأضرار والحد من آثارها على السوق.

كما أسهم القانون في تعزيز العدالة التنافسية، لا سيما في ما يتعلق بتوزيع الأصول عند الإفلاس، وضمان أولوية الحقوق الأساسية مثل مستحقات الموظفين والالتزامات الضريبية، إلى جانب تمكين أدوات حديثة كالتسوية الوقائية وإعادة الهيكلة، التي ساعدت على إنقاذ شركات ذات جدوى اقتصادية ومنحها فرصة الاستمرار.

وعلى المدى البعيد، يُتوقع أن يسهم قانون الإفلاس في تحسين تصنيف سلطنة عُمان في التقارير الدولية المعنية بممارسة أنشطة الأعمال، ويعكس التزامها بمبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص، ما يعزز جاذبيتها كوجهة استثمارية إقليمية. كما يُنتظر أن يشكّل أداة استراتيجية لتنظيم السوق وتحقيق التوازن بين حماية حقوق الدائنين وضمان استمرارية المؤسسات، خاصة مع تنامي الشركات الناشئة ومشروعات ريادة الأعمال.

وفي هذا السياق، أكد محمد بن سالم الهاشمي، مدير دائرة الرقابة على المنشآت التجارية بوزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، أن قانون الإفلاس يمثل أحد المرتكزات الرئيسة لتنظيم بيئة الأعمال وتعزيز ثقة المستثمرين، لما يؤديه من دور محوري في حماية السوق وضمان استقراره، بما يتماشى مع التوجهات الاقتصادية للسلطنة ومستهدفات رؤية «عُمان 2040».

وأوضح في تصريح لوكالة الأنباء العُمانية أن القانون أحدث نقلة نوعية من خلال إعادة تعريف مفهوم الإفلاس، بوصفه أداة لإعادة هيكلة ديون التاجر وليس نهاية للنشاط الاقتصادي، وهو ما انعكس إيجابًا على تعزيز العدالة التنافسية وضمان أولوية الحقوق الأساسية، وفي مقدمتها مستحقات الموظفين والالتزامات السيادية.

وأشار إلى أن الإفلاس التجاري يُعرّف قانونيًّا بالحالة التي يتوقف فيها التاجر عن سداد ديونه نتيجة اضطراب أعماله، بما يستدعي اتخاذ إجراءات قانونية تنظم العلاقة بين المدين والدائن وتحفظ حقوق الطرفين، سواء عبر إعادة الهيكلة أو تصفية الأصول وفق الأطر المعتمدة.

وبيّن أن من أبرز أسباب التعثر في السوق العُماني عدم مواكبة بعض المؤسسات للتغيرات الحديثة في أساليب التسويق، وارتفاع تكاليف التشغيل، وتراجع السيولة، إلى جانب تأثير الأزمات الاقتصادية العالمية وتقلب أسعار الطاقة، وهو ما ينعكس بشكل أكبر على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.

وأضاف أن ضعف التخطيط المالي وسوء إدارة التدفقات النقدية، وغياب الحوكمة الإدارية، وارتفاع نسب الاقتراض، فضلًا عن ضعف الرقابة الداخلية وقلة الوعي القانوني بآليات الحماية التي يوفرها قانون الإفلاس، تمثل عوامل رئيسة في تعثر العديد من المشروعات.

وأوضح أن القانون يتيح مسارات متعددة لمعالجة حالات التعثر المالي، تبدأ بطلب إعادة الهيكلة، مرورًا بالصلح الواقي من الإفلاس عبر المحاكم المختصة، وصولًا إلى إشهار الإفلاس عند تعذر التسوية، حيث يتم حصر ممتلكات المدين وتصفية الأموال وفق أولويات محددة، بما يحقق التوازن بين استمرارية الشركات وحفظ حقوق الدائنين.

من جانبه، أكد الدكتور خالد بن سعيد العامري، رئيس مجلس إدارة الجمعية الاقتصادية العُمانية، أن منظومة التشريعات الاقتصادية في سلطنة عُمان تشهد تطورًا نوعيًّا متسقًا مع مستهدفات رؤية «عُمان 2040»، مشيرًا إلى أن قانون الإفلاس يمثل إحدى الركائز الأساسية لضمان استقرار الأسواق ودعم النمو الاقتصادي المستدام.

وأوضح أن التحولات الاقتصادية التي شهدتها السلطنة خلال السنوات الماضية أفرزت حاجة ملحة إلى إطار قانوني مرن قادر على التعامل مع المتغيرات العالمية، لافتًا إلى أن القانون أسهم في تعزيز كفاءة إدارة حالات التعثر المالي، ووفّر آليات واضحة لفض النزاعات التجارية، بما يحد من الآثار السلبية لتعثر الشركات على الاقتصاد الوطني.

وبيّن أن القانون يوفر مزايا متعددة تنعكس مباشرة على بيئة الأعمال، من بينها حماية حقوق المدين والدائن، وتشجيع إعادة الهيكلة بدلًا من التصفية الفورية، وتعزيز الأمان الوظيفي عبر تقليل فقدان الوظائف المفاجئ، إلى جانب رفع مستوى الشفافية وتوفير مظلة قانونية واضحة تمنح المستثمرين خارطة طريق آمنة في أوقات الأزمات.

وأكد أن قانون الإفلاس يسهم في بناء ثقة مؤسسية تشجع على تدفق رؤوس الأموال، ويعزز تنافسية سلطنة عُمان كوجهة استثمارية قادرة على تحويل التحديات المالية إلى فرص لإعادة التنظيم وتحقيق النمو المستدام.

زر الذهاب إلى الأعلى