فليعذرنا معالي السيد…

كتب / سعيد بن مسعود المعشني
يلتقي معالي السيد وزير الخارجية بعددٍ من رؤساء التحرير المختارين بعناية، ومعهم لفيفٌ من مديري عموم الإذاعات الخاصة العُمانية، ويطلب منهم — كما نقلوا عنه — أن يحافظوا على اتزانهم وحياديتهم إزاء الحرب الجارية في المنطقة. قد يكون ذلك طلبًا مفهومًا في ظروفٍ طبيعية؛ فالدبلوماسية العُمانية عُرفت طويلًا بحرصها على التوازن، والابتعاد عن الانفعالات، والسعي إلى التهدئة متى ما أمكن. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تبقى قواعد الحياد كما هي عندما تتحول أرضك إلى جزءٍ من مسرح النار؟
فالحياد — في جوهره — ليس صمتًا أمام الخطر، ولا تجاهلًا لما يقع على الأرض. الحياد موقفٌ سياسي يحترمه الآخرون قبل أن يلتزم به أصحابه. أما إذا لم يعد أحدٌ يعترف به، وإذا أصبحت الموانئ والمنشآت المدنية في مرمى الطائرات المسيّرة والصواريخ، فإن الحديث عن الحياد يتحول من خيارٍ سياسي إلى ترفٍ لغوي لا يحتمله الواقع. لقد كان الحياد العُماني عبر العقود خيارًا استراتيجيًا واعيًا حافظ على البلاد بعيدًا عن صراعاتٍ ومحاور كثيرة اجتاحت المنطقة، لكنه كان يقوم دائمًا على قاعدةٍ واضحة: أن تُحترم عُمان، وأن تُصان سيادتها، وأن تبقى أرضها خارج خطوط النار.
أما اليوم، حين تُضرب منشآتنا الاقتصادية وموانئنا الحيوية في صلالة والدقم، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحًا: عن أي حياد نتحدث ونحن تحت القصف؟ إن الإعلام العُماني ليس مطلوبًا منه أن يتحول إلى طرفٍ في حرب، لكن ليس مطلوبًا منه كذلك أن يتصرف وكأن شيئًا لم يحدث. فهناك فرقٌ كبير بين الاتزان وبين تجاهل الواقع، وبين الحكمة وبين الصمت الذي قد يُفهم على أنه قبولٌ بالأمر الواقع.
لذلك فليعذرنا معالي السيد… فالحياد موقفٌ يُحترم عندما يحترمه الآخرون. أما عندما تصبح بلادك هدفًا للنيران، فإن أقل ما يحق لك هو أن تسمي الأشياء بأسمائها. نحن نفهم أن معاليك متحمس لإستكمال دور الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، وهو دور نحترمه ونقدّره كما تحترمه وتطالب به جميع دول الخليج وكثير من دول العالم، لكن ما لا نفهمه — ولا يفهمه كثير من المحللين والمراقبين — هو: إلى أي مدى يُطلب منا أن نبلع ألسنتنا ونحن نرى مكتسباتنا التنموية ومشروعاتنا الحيوية تحت مرمى المسيّرات الإيرانية؟
والمفارقة أن البعض لا يزال يصرّ على تجهيل مصدر هذه الهجمات، رغم اعتراف الطرف الذي يطلقها واعتذاره عنها. إن إبقاء المواطن في حالة عدم يقين، وتجاهل حقه في معرفة من يريد الإضرار به وبمصالحه ومصادر رزقه، أمر لا يمكن تبريره أو السكوت عنه. المطلوب ببساطة — وبقوة — إدانة صريحة وواضحة لهذه الهجمات ومن يقف وراءها، إدانة لا تحتمل التأويل ولا المهادنة ولا اللعب على الكلمات. فكل شبرٍ من عُمان، أرضًا وسماءً، يستحق أن نغضب من أجله. شاء من شاء وأبى من أبى… ونقطة على السطر.




