قلق الاحتلال السياسي والوجودي الذي لا ينتهي

تحسين يقين

عبثا تبحث دولة الاحتلال عن أمنها واستقرارها بعيدا؛ فالحرب والسلام تنبعان من هنا، لا من أفريقيا!
تواصل دولة الاحتلال مغامراتها السياسية والعسكرية، متحدية هذه المرة العالم، فقد قيل ليس بعد الكفر ذنب، وكيف لا تفعل ذلك وهي من ساهم بتقسيم دولة السودان الشقيقة، والتي لم يتحسن حالها لا في الشمال ولا في الجنوب.
مفارقة مدهشة حدّ العجيبة: الدولة القوية المتحالفة مع الدول الكبرى، لم تشعر بالوجود الطبيعي لكيانها السياسي، فيما نعيش نحن بأريحية سياسية طبيعية كأن لنا دولة. إنها تفكر أنها تزداد قوة، لكنها تعرف أنها تزداد ضعفا، بسبب كره العالم لها حتى لو جاملتها النظم السياسية.
اعترى تأسيس الكيان مشاكل لم تسع الدول الكبرى لحلها بشكل جديّ، كون ذلك التأسيس ارتبط بتنافس العالم على السيطرة على بلادنا العربية ومواردها. ولكن بالرغم من ذلك، وعلى مدار عقود، أي ما بعد عام 1979، ومرورا بعام 1993، فقد كان يمكن تحقيق تسوية ما، تصحح ما يمكن من أخطاء؛ من أجل عيش مشترك يضمن الحدّ المقبول من العدالة، من خلال عيش الفلسطينيين بكرامة، من خلال تنفيذ حق تقرير المصير.
ولعل أكبر الأخطاء حين سلحت الدول الكبرى الدولة الصغيرة الناشئة بأسلحة الدمار الشامل. وأيضا جعلها الدولة المدللة من خلال تحالفها مع الدول الكبرى.
وبدلا من أن تفتح دولة الاحتلال عقلها وقلبها، لتعيش دولة عادية هنا، فإنها لأسباب ذاتية وموضوعية ترفض ذلك، فيزداد وضعها قلقا لا أمنا.
لكن الطبع غلب التطبع، فإسرائيل لا ترى بنفسها دولة صغيرة، بل ترى نفسها دولة كولينالية تنافس الدول الكبرى التي تتحالف معها.
ماذا يعني أن يعلن ما يسمى برئيس إقليم أرض الصومال الانفصالي، ورئيس وزراء دولة الاحتلال إقامة علاقات دبلوماسية؟
يعني أن دولة الاحتلال اليوم، وهي التي ما زالت أياديها غارقة في دم الفلسطينيين واللبنانيين، انما تتوّج هذا الغرور بجعل نفسها دولة كبرى تمنح الأقاليم المتمردة الاستقلال السياسي.
إن أي مراقب يضع خارطة قارة أفريقيا أمامه، يعرف تلك الأهمية الاستراتيجية لهذا الإقليم، في سياق ما تفعله دولة الاحتلال من عبث قديم متجدد.
إنه عبث في التوازن الدولي، وليس فقط بالتوازن الأفريقي؛ فحل مشكلة إقليم أرض الصومال، لا يكون بترسيخ الانفصال والتحالف مع دولة محتلة، بل من خلال حلّ المشاكل الداخلية في دولة الصومال.
لقد كان على الدول العربية، والأفريقية حل هذه المشكلة التي بدأت 4 عقود، لا أن يتم الزهد بحلها، لأن الانفصال سيعني تدخلات دولية، وبخاصة من قبل دولة الاحتلال، وهي التي تغزو القارة السوداء لتحقيق مكاسب خضراء لها، على جميع السبل.
تقوم سياسة دولة الاحتلال لا على التعاون مع الأفارقة بل على ضرب الأمن القومي، فلا تحتمل الدولة اللصة وجود أية حياة مستقبلية الا لها، وهي لا تثق حتى بالدول التي أقامت علاقات معها، لسوء نواياها، فهل الى هذه الدرجة دولة الاحتلال مهتمة بالتنمية في أثيوبيا مثلا؟ أما انها تقصد من وراء سدّ النهضة الإثيوبي هبوط آخرين يشربون من نهر النيل: مصر والسودان بشكل خاص، ما يدلل على ان الحرب مع مصر بشكل خاص لم تنته باتفاقية السلام، بل لعل الاتفاقية أغرت الاحتلال بالحرب على مصر من جميع الاتجاهات.
إن خلق تسوية هنا في فلسطين ينبع من صدق النوايا، وأن تكتف دولة الاحتلال بأن تسهى للعيش كدولة عادية، لا كدولة عظمى، وهي التي إنما تعيش على إعانات الدول الكبرى.
لا يبدو في الأفق نوايا للحل السياسي، وليست دولة الاحتلال معنية بحل الدولتين، فقط إنها تسعة لتعميق استلاب فلسطين، وإضعاف الحاضنة العربية الى آخر مدى. وما لم تفعل الدول العربية ما ينبغي فعله، فإنها ستحاصر، وستكون فاقدة لأمنها، من خلال الشعور بالتهديد الدائم، حتى بشربة الماء.
ما تعبث به دولة الاحتلال يدفع الدول العربية الى ضرورة التحلي بالمسؤولية، لأن الاستمرار بالتشرذم، سيشجع الاحتلال على المضيّ في غيّه وغطرسته.
لا تفعل دولة الاحتلال ما تفعله هنا وفي أفريقيا إلا بموافقة دولية للأسف الشديد؛ فهدف الاستعمار واحد منذ كان، بل إن ما يتم اليوم من منح إسرائيل هذه الأدوار، يعني التأكيد على الدور التقليدي الذي يعتمد دولة الاحتلال العصا التي تهدد الحكومات والشعوب.
هنا، فإن من المفروض، إن كان هناك إرادة عربية جادة، أن يتم حل مشكلة الصومال التي لم تحلّ من سنوات، كونه دولة شقيقة، ولا نظن بأن الأشقاء في الصومال جميعا سيقبلون ان يتم العبث ببلادهم، وتوظيف ما يجري هناك لضرب الأمن العربيّ. إن حلّ مشكلة الانفصال هناك لا تكون بالتماهي مع دولة الاحتلال، والقبول بالوصاية والتبعية، بل سيكون الوجود الإسرائيلي هناك وجودا احتلاليا، يخلق مشاكل للصومال كله، كونه سيخلق فوضى أمنية، تمنح الدول المختلفة فرص التدخل، وتصفية حساباتها على أرض الصومال، بما في ذلك النفوذ الأوروبي المتنافس قديما مع النفوذ الأمريكي، دون أن نغفل دور دول كبرى مثل الصين وروسيا أيضا.
إن كان دولة الاحتلال تريد سلما وسلاما واستقرارا، فإنه فقط، نحن من يمكننا منحها ذلك فلسطينيا وعربيا، أما تريد أن تؤمّن وجودها من خلال علاقات خبيثة مع هذه الدولة أو ذاك، فإنه يمكن لها أن تطيل البقاء قليلا.
لذلك فإن من بقي من ساسة دولة الاحتلال بعقل وشعور، فعليه أن يختصر كل هذا الجنون، لأن السعي لاستسلام العرب ليس مضمونا؛ فما تعرفه البشرية قديما وحديثا، أن للشعوب كرامتها، وإنها يمكن أن تضحي بالغالي والنفيس من أجل العيش بكرامة.

زر الذهاب إلى الأعلى