ماءٌ ثجّاج… وجغرافيا أمة

زاهر بن سيف بن سلطان المسكري
يقول الله تعالى: ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾
ليست كل الآيات تُفهم بالقراءة، بعضها لا يُفهم إلا حين ينزل من السماء واقعًا يُرى ويُعاش. وما شهدته أرض سلطنة عمان في أواخر مارس 2026، لم يكن مجرد حالة جوية عابرة، بل كان تجلّيًا صريحًا لمعنى “ماءً ثجّاجًا” ماءٌ لا ينزل قطرات، بل ينسكب انسكابًا، ويُعيد تشكيل الأرض في لحظات.
الماء الثجّاج: فيض السماء حين تبلغ الغاية، “الثجّاج” ليس مطرًا مألوفًا، بل هو — كما بيّنه ابن فارس — ماءٌ يُصبّ صبًّا بكثرة، بلا انقطاع.
إنه المشهد الذي: تتشبع فيه السحب حتى الانفجار، وتفرغ ماءها دفعة واحدة، فتتحول السماء من “مُمطِرة” إلى مُغدِقة وهنا لا يكون المطر حدثًا، بل:
قوةً كونية تعيد ترتيب ملامح الأرض من صور إلى الصير… حيث تتسع السحابة بقدر الأرض ففي الوعي العُماني قولٌ عميق: “لا تخصب عُمان إلا إذا غطتها سحابة من صور إلى الصير” وصور تمثل بوابة الرطوبة من بحر العرب، بينما “الصير” تشير إلى التخوم الشمالية في الخليج، أي أن السحابة المقصودة ليست محلية، بل تمتد عبر قوسٍ جغرافي هائل. وحين تغطي هذا الامتداد: فإنها لا تسقي أرضًا… بل تُحيي إقليمًا كاملًا ومن صور إلى زنجبار… امتداد البحر كما امتداد المطر
لم تقف عُمان عند حدود البر، بل امتدت عبر البحر إلى زنجبار،حيث نشأت شبكة من: التجارة والثقافة والنفوذ السياسي، فكانت عُمان:
- برًا يمتد من صور إلى الصير
- وبحرًا يمتد إلى شرق أفريقيا
وفي كلا المجالين، كان الماء — مطرًا أو بحرًا — هو العصب الخفي للحياة والسلطة.
المطر يرسم حدود الدول
هذا الامتداد نفسه شهد قيام قوى كبرى، منها: الدولة الجبرية، والدولة اليعربية، ومملكة هرمز
وهنا تتجلى قاعدة لا تُذكر كثيرًا: أن حدود الدولة في البيئات القاحلة ترسمها المياه… قبل أن ترسمها الجيوش فحيث ينزل “الثجّاج”:
- تستقر الحياة
- يثبت الإنسان
- وتُبنى القوة
إبرا: حين يتحول النص إلى مشهد حي
في إبرا، لم يكن ما حدث مجرد سيلٍ قوي، بل تجاوزٌ للمقاييس الحديثة ذاتها. فقد شهدت القرى: العلاية، والسفالة، والسباخ، والحزم، والنصيب والمويلح، اندفاعًا مائيًا استثنائيًا،حتى إن الوادي الغربي فاض عن مجراه المعتاد، ليدخل:
- سوق السفالة القديم
- والجامع المجاور له
ثم واصل جريانه متجهًا جنوبًا نحو أعالي السباخ، ليلتقي من جديد بالمجرى الرئيسي. هذا المشهد ليس تفصيلاً محليًا، بل دليل حيّ على أن:
الماء حين يكون “ثجّاجًا”… لا يعترف بالمسارات المألوفة، بل يرسم مساراته بنفسه
السحابة الكبرى: علمٌ تدركه الفطرة
ما تصفه الذاكرة الشعبية بسحابة “من صور إلى الصير”، هو في الحقيقة نظام سحابي واسع النطاق:
- يحمل كميات هائلة من الماء
- يغطي مئات الكيلومترات
- ويُفرغها دفعة واحدة
وهذا ما يفسر:
- السيول الجارفة
- امتلاء الأودية
- والتحول السريع في البيئة
لكن الأعمق: أن الإنسان العُماني أدرك هذه الحقيقة قبل أن يصوغها العلم، وحفظها في صورة “رواية” متوارثة
أرض الخير… وأهل الثبات
إذا كانت الأرض لا تعطي إلا إذا أُغدق عليها، فإن أهلها تشكلوا على هذا النمط:
- صبر في القحط
- وثبات في الشدائد
- وكرم حين يأتي العطاء
ولهذا عُرف أهل عُمان:
- بالحكمة في السياسة
- بالثبات في السلم والحرب
- بالقدرة على إدارة التحولات
فهم أبناء أرضٍ تعلّمهم:
أن الانتظار ليس ضعفًا… بل استعداد
الخاتمة: حين تنزل السماء لتكتب التاريخ ما بين:
- “ماءً ثجّاجًا” في القرآن
- وسحابة تمتد من صور إلى الصير
- وامتداد عُمان إلى زنجبار
- وسيول إبرا التي أعادت رسم مجاريها
تتجلى حقيقة واحدة:
أن هذه الأرض لا تُقرأ من الخرائط…بل تُقرأ حين تنظر إلى السماء فإذا انهمر الماء ثجّاجًا، فاعلم أنك لا تشهد مطرًا فقط…
بل: تشهد لحظةً تعود فيها الأرض إلى أصلها، ويُستأنف فيها التاريخ من جديد.
والكل في الرقعة الجغرافية يشترك في نقاء الأخلاق حديث (“لو أن أهل عُمان أتيت، ما سبوك ولا ضربوك”) هو ثناء نبوي رفيع من الرسول ﷺ لأهل عُمان وإقليمه الممتد ، يمدح فيه حسن أخلاقهم، أدبهم، وعقلانيتهم في التعامل.
.المصدر: مجلة التكوين





