بيت الخنجي… حين تصبح المائدة عنوانًا للمحبة

حمود بن علي الطوقي

في رمضان تتغير ملامح المدن قليلًا؛ تهدأ الطرقات قبيل الغروب، وتتعالى في البيوت رائحة الطعام، وتتهيأ القلوب للحظة الأذان التي تجمع الناس على معنى واحد: الامتنان. وفي هذه الأجواء التي يغمرها الصفاء، تبرز بعض البيوت لا بوصفها جدرانًا وسقوفًا، بل بوصفها مقامات للكرم وملتقيات للناس.

ومن بين تلك البيوت التي حملت هذا المعنى في مطرح، يطل بيت الخنجي في محافظة مسقط كواحة رمضانية مفتوحة، حيث ينشر أبوابه طوال أيام الشهر الفضيل ليستقبل الصائمين من مختلف أطياف المجتمع. هناك، لا يُسأل القادم عن صفته ولا عن موقعه؛ يكفي أنه جاء يحمل قلبًا صائمًا وروحًا تبحث عن دفء اللقاء.

يدعو إلى هذا اللقاء الكريم سعادة الأخ خليل بن عبدالله الخنجي واخوته الذين جعل وا من بيت عائلتهم مجلسًا عامرًا بالمحبة، ومائدةً تتسع للوجوه المختلفة، فتجتمع حولها حكايات الناس وتجاربهم، في مشهد يختصر كثيرًا من جمال المجتمع العماني حين يلتقي على البساطة والود.

وما إن يقترب موعد الإفطار حتى يمتلئ المكان بأصوات التحايا واللقاءات المتجددة. اصحاب أعمال في قطاعات مثل التجارة والصناعة والسياحة والنقل والنفط والغاز وغيرها من المؤسسات و إعلاميون وكتاب، دبلوماسيون، وأصدقاء من مختلف المشارب؛ يجلسون جنبًا إلى جنب في مشهد إنساني يعيد إلى الذاكرة صورة المجالس العمانية القديمة، حين كانت السبل مفتوحة، وكانت الضيافة لغةً مشتركة يفهمها الجميع.

في تلك اللحظات التي تسبق الأذان، يبدو بيت الخنجي وكأنه صفحة من ذاكرة مطرح؛ المدينة التي اعتادت أن تكون ملتقى للتجار والمسافرين و حكايات وقصص التاريخ وعبق الماضي . وكما كانت مطرح قديمًا بندراً للسفن وملتقىً لنواخذة الابوام واللنشات ، يبدو البيت اليوم ميناءً للقلوب التي ترسو فيه كل مساء رمضاني.

أما أنا، فأحرص في كل عام على تلبية الدعوة الكريمة لسعادة الأخ خليل بن عبدالله الخنجي الرئيس الأسبق لغرفة تجارة وصناعة عمان و رئيس اتحاد الغرف الخليجية ، ليس فقط للمشاركة في الإفطار، بل لأعيش تلك اللحظة التي يلتقي فيها الناس على البساطة الصادقة، بعيدًا عن صخب الحياة. فهناك، بين حديثٍ عابر وابتسامةٍ صادقة، تشعر أن رمضان لا يزال يحتفظ بجوهره الجميل.

فالبيوت التي تفتح أبوابها للناس لا تقدّم الطعام وحده، بل تقدّم معنى أعمق: أن المجتمع يبقى بخير ما دامت موائده تجمع القلوب قبل الأيدي.

وهكذا، يظل بيت الخنجي في ليالي رمضان أكثر من مجرد مكان للإفطار؛ إنه حكاية كرمٍ عمانيٍ متجدد، يكتبها كل مساء ضيوفٌ يأتون من اتجاهات مختلفة، لكنهم يجتمعون على معنى واحد: أن المحبة هي أجمل ما يمكن أن يُقدَّم على مائدة رمضان واجيال تتعاقب على هذه السنه الحميدة.

مجلة “الواحة العُمانية” تُصدر عددًا خاصًا بمناسبة الذكرى السادسة لتولي جلالة السلطان هيثم بن طارق مقاليد الحكم
زر الذهاب إلى الأعلى