حين تتحول الأحلام إلى مدن على قمم الجبال

بقلم/ حمود بن علي الطوقي
هناك أحلام لا تولد فجأة، بل تكبر بصمت داخل أصحابها عامًا بعد عام، حتى تصبح جزءًا من ملامحهم وأحاديثهم ونظرتهم للحياة. أحلام تبدأ بفكرة صغيرة، أو بصورة عالقة في الذاكرة، أو بمشهد يراه الإنسان كل يوم فيتشكل داخله يقين خفي بأن لهذا المكان حكاية لم تُكتب بعد.
وأنا أحضر حفل توقيع اتفاقية مشروع “رواسي” بين وزارة التراث والسياحة وشركة مرتفعات جبل بوشر للتطوير العقاري، شعرت أنني لا أحضر مجرد توقيع اتفاقية لمشروع سياحي، بل أشهد لحظة تحقق حلم ظل يسكن وجدان صاحبه لسنوات طويلة.
هذا الحلم كان يسكن المهندس خالد بن ناصر المحروقي… الرجل الذي لم يكن يرى جبال بوشر مجرد تضاريس صخرية تعلو مدينة مسقط، بل كان يراها مستقبلًا مختلفًا، ومدينة للحياة، ومنتجعًا يمكن أن يتحول يومًا ما إلى واحدة من أجمل الوجهات السياحية في سلطنة عُمان.
حدثني خالد غير مرة عن هذا الجبل… عن علاقته القديمة به منذ الطفولة، وكيف كان يتسلق المرتفعات ويتأمل مسقط من الأعلى، ويحلم أن يرى في تلك القمم مشروعًا نابضًا بالحياة، يحتضن الناس والجمال والطبيعة والهدوء. وربما كان البعض يرى ذلك مجرد خيال طفل، لكن الأحلام الكبيرة غالبًا ما تبدأ هكذا… بفكرة لا يصدقها إلا صاحبها.
وقد أسعدني كثيرًا أن أتلقى دعوة أخي المهندس خالد المحروقي لحضور مراسم توقيع الاتفاقية مع وزارة التراث والسياحة، وهي اللحظة التي شعر فيها الجميع أن الحلم القديم بدأ يتحول إلى واقع حقيقي على الأرض، خصوصًا مع الإعلان الرسمي المتزامن عن مشروع “مسقط الكبرى”، الذي يعكس حجم التحولات العمرانية والتنموية التي تعيشها محافظة مسقط في ظل النهضة المتجددة بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه.
ولأن الأحلام الكبيرة لا تُبنى بالعاطفة وحدها، فإن مشروع “رواسي” لم يكن مشروعًا عابرًا أو فكرة سهلة التنفيذ، بل مشروع ضخم يحتاج إلى رؤية بعيدة المدى وملاءة مالية وشركاء يؤمنون بالفكرة قبل الأرقام. ولهذا اختار المهندس خالد المحروقي شركاءه بعناية فائقة، انطلاقًا من قناعته بأن الفكرة حين تصل إلى مرحلة الإيمان الحقيقي، فإنها تجد من يحتضنها ويدعمها ويشارك في تحويلها إلى واقع.
وها هو المهندس الطموح خالد المحروقي يوقع اتفاقية تنفيذ المشروع الذي سيمتد تطويره على أربع مراحل، في مشهد يحمل الكثير من الدلالات، خصوصًا أن الإعلان الرسمي عن مشروع “رواسي” جاء متزامنًا مع الإعلان الرسمي عن مشروع “مدينة مسقط الكبرى”، وكأن القدر أراد أن يضع هذا الحلم الجبلي ضمن الحلم الأكبر الذي يُعاد رسمه اليوم لمستقبل العاصمة مسقط. فـ”رواسي” ليس مشروعًا منفصلًا عن المشهد العمراني الجديد، بل جزء من مدينة تتشكل برؤية حديثة وطموحات تتجاوز حدود التقليدي نحو صناعة مستقبل مختلف.
وحين نتحدث عن المهندس خالد المحروقي، فإننا لا نتحدث عن مستثمر عابر، بل عن مهندس من طراز المبدعين، يمتلك خبرات متراكمة في مجال التصميم المعماري والرؤية العمرانية، ويملك شغفًا حقيقيًا بالتفاصيل والجمال والهوية البصرية للمكان. ومن يعرفه يدرك جيدًا حجم الإصرار الذي يحمله داخله، وقدرته على تحويل الأفكار إلى مشاريع تنبض بالحياة.
إن مشروع “رواسي” لا يبدو مجرد مشروع سياحي تقليدي، بل يحمل روحًا مختلفة، لأنه وُلد من علاقة وجدانية بين الإنسان والمكان. ولهذا ربما سيكون أقرب إلى الناس وأكثر قدرة على صناعة تجربة استثنائية تجمع بين الطبيعة الجبلية والهدوء والرفاهية وروح مسقط الحديثة.
وأنا أكتب هذه الكلمات، أستحضر فكرة مهمة جدًا… أن الأحلام الحقيقية لا تموت مهما طال الزمن، وأن الإنسان حين يؤمن بفكرته بإخلاص، ويواصل العمل بصبر، فإن الأيام قد تفاجئه بلحظة يرى فيها حلمه واقفًا أمامه حقيقةً لا خيالًا.
ومن أعماق القلب، أتمنى أن يرى مشروع “رواسي” ومشروع العُلا النور بالصورة التي يستحقها، وأن يتحول إلى علامة مضيئة في خارطة السياحة العُمانية، وأن ينجح المهندس خالد المحروقي وفريقه في صناعة وجهة استثنائية تليق بجمال مسقط وجبالها، وتضيف صفحة جديدة إلى قصة التنمية التي تعيشها سلطنة عُمان اليوم.




