المسافة المتحركة بين كازان وجبال سمحان

حمود بن علي الطوقي

حين تلقيتُ اتصالًا من مكتب سعادة رئيس غرفة تجارة وصناعة عُمان للمشاركة ضمن الوفد الرسمي المتجه إلى كازان للمشاركة في منتدى كازان للحلال، شعرتُ أن الأمر لا يتعلق بدعوةٍ لحضور فعالية اقتصادية فحسب، بل بدا وكأن نافذةً جديدة تُفتح أمامي نحو مدينةٍ سمعتُ عنها طويلًا، وحان الوقت لأن أراها بإحساسي قبل عينيّ.

أول ما حضر في ذاكرتي بعد تلك الدعوة، أحاديث زميلي الكاتب والباحث أحمد الرحبي، الذي اختار روسيا فضاءً لتجربته الإنسانية والثقافية، وكان يحدثني كثيرًا عن المدن الروسية، عن تفاصيل الحياة فيها، وعن تلك المساحات الواسعة التي تجمع بين التاريخ والبرد والروح الإنسانية الدافئة. وكانت كازان تتكرر دائمًا في أحاديثه بوصفها مدينةً مختلفة، تحمل روحًا إسلامية واضحة، وتاريخًا متشابكًا مع حضاراتٍ متعددة جعلت منها واحدة من أكثر المدن الروسية قربًا إلى الشرق.

ولعلّ ما زاد من شغفي لزيارة كازان أيضًا، تلك الحكايات التي كان ينقلها الرحّالة العُماني الصديق ناصر النعماني، الذي جاب عددًا من المدن الروسية، ونجح في أن يقدّمها لنا بعيونٍ عُمانية ترى التفاصيل بروحٍ مختلفة. كان يحدثنا عن مدنٍ روسية شهيرة مثل موسكو وسانت بطرسبرغ وسوتشي، إلى جانب جمهورية تتارستان وعاصمتها كازان، وكيف تحمل كل مدينةٍ طابعها الخاص وروحها المختلفة. ومن خلال صوره وتأملاته ومذكراته، بدت روسيا وكأنها عالمٌ واسع من الحكايات المفتوحة، حيث يمتزج التاريخ بالطبيعة والثقافات المتعددة. ولذلك شعرتُ أن الرحلة إلى كازان ليست مجرد زيارة عابرة، بل خطوة نحو اكتشاف مكانٍ طالما وصل إلينا عبر عيون الرحّالة، وحان الوقت لأن نراه نحن أيضًا بعيوننا وأحاسيسنا العُمانية.

كما استحضرتُ أيضًا تلك اللحظة الثقافية الجميلة التي جمعتني بالكاتب والصحفي الروسي سيرجي بليخانوف، مؤلف كتاب «مصلح على العرش»، الذي تناول سيرة السلطان الراحل السلطان قابوس بن سعيد ـ طيب الله ثراه ـ وذلك أثناء حضوره إلى سلطنة عُمان للمشاركة في جلسة حوارية عن تجربته في توثيق مسيرة السلطان الراحل. وقبل وفاته، كان قد وجّه لي دعوة لزيارة المركز الثقافي الروسي، للاطلاع عن قرب على جهوده في تعزيز العلاقات الروسية بالحضارة العربية والإسلامية، ومدّ جسور التواصل الثقافي بين الشعوب. وربما أعادت إليّ دعوة كازان شيئًا من تلك الذاكرة القديمة، وكأن الرحلة الحالية ليست مجرد زيارةٍ لمدينة روسية، بل امتدادٌ لحوارٍ ثقافي وإنساني بدأ منذ سنوات، وما يزال مفتوحًا على اكتشافاتٍ جديدة.

ومنذ تلك اللحظة، بدأتُ أستشعر أن الرحلة إلى كازان لن تكون مجرد انتقالٍ جغرافي، بل عبورًا نحو مدينةٍ تختزن ذاكرةً طويلة من الحضارات، وتحمل في شوارعها وأسواقها ومساجدها شيئًا من ملامح المدن التي أحبها الرحّالة والكتّاب.

وعلى امتداد أربعة عقود من العمل الصحفي، زرتُ العديد من دول العالم، لكنني كنت أؤمن دائمًا أن المدن الحقيقية لا تُقاس بحجم مبانيها أو شهرة معالمها، بل بقدرتها على أن تترك أثرًا داخليًا في الإنسان. ولهذا، شعرتُ أن كازان ستكون مادةً ثرية أضمّها إلى اهتماماتي في مجال أدب الرحلات، ذلك الأدب الذي يجعل من السفر قراءةً أخرى للإنسان والمكان.

وفي لحظة تأمل، وجدتني أربط بين كازان البعيدة، وبين جبال سمحان في محافظة ظفار… تلك الجبال التي أعرفها جيدًا، والتي تتحول في موسم الخريف إلى بساطٍ أخضر تفترشه الغيوم والرذاذ، فتبدو وكأنها قطعةٌ من الحلم المعلّق بين السماء والأرض.

وربما لأن الإنسان يحمل أمكنته معه أينما ذهب، شعرتُ أن المسافة بين كازان وجبال سمحان ليست بعيدة كما تبدو على الخرائط. فهناك شيءٌ مشترك بين المدينتين؛ كلاهما يحتفظ بروحه الخاصة، وكلاهما يمنح الزائر إحساسًا بأن الطبيعة قادرة دائمًا على أن تصنع هوية المكان.

في جبال سمحان، تتكئ القرى على الضباب، وتغسل الأمطار ذاكرة الصخور، بينما تتحول الطرقات في موسم الخريف إلى حكاياتٍ تمشي فوق العشب الأخضر. وفي كازان، كما سمعتُ عنها طويلًا، تتجاور المآذن مع القباب، ويقف التاريخ على ضفاف نهر الفولغا ليحكي قصة مدينةٍ تعلّمت كيف تحافظ على هويتها رغم تعاقب الأزمنة.

ولعل أجمل ما في الرحلات أنها تجعلنا نعيد اكتشاف أوطاننا أيضًا. فكل مدينةٍ نزورها تدفعنا للمقارنة، وللتأمل، ولرؤية الأماكن التي نحبها بعيونٍ جديدة. وربما سأكتشف في كازان شيئًا يذكرني بظفار، أو سأجد في ضبابها البارد ما يعيد إلى ذاكرتي رذاذ الخريف فوق جبال سمحان.

إنني أذهب إلى كازان وفي داخلي فضول الصحفي، وشغف الكاتب، وتأمل الرحّالة الذي لا يبحث فقط عن المدن، بل عن الأرواح التي تسكنها. وأشعر أن هذه الرحلة لن تكون مجرد مشاركة في منتدى دولي، بل بداية حكاية جديدة تُضاف إلى ذاكرة السفر، وإلى ذلك الحوار الطويل بين الإنسان والمكان… بين كازان وجبال سمحان قصة وحكاية وإن طال السفر .

مجلة “الواحة العُمانية” تُصدر عددًا خاصًا بمناسبة الذكرى السادسة لتولي جلالة السلطان هيثم بن طارق مقاليد الحكم
زر الذهاب إلى الأعلى