في كازان… عُمان تفتح نوافذ جديدة نحو الشرق الروسي

حمود بن علي الطوقي
كازان – جمهورية تترستان

لم تكن رحلتي إلى جمهورية تتارستان الروسية لمرافقة وفد غرفة تجارة وصناعة عُمان مجرد مشاركة إعلامية عابرة في منتدى اقتصادي دولي، بل كانت تجربة ثرية كشفت لي عن حجم الحضور العُماني المتنامي في المحافل الدولية، والرغبة الحقيقية التي تحملها سلطنة عُمان في بناء شراكات اقتصادية واستثمارية تمتد إلى آفاق جديدة من العالم، وفي مقدمتها روسيا الاتحادية وجمهورية تتارستان.

ومنذ اللحظات الأولى لوصول الوفد العُماني إلى مدينة كازان للمشاركة في أعمال منتدى كازان الدولي لمنتجات الحلال، كان واضحًا حجم التقدير الكبير الذي تحظى به سلطنة عُمان لدى الجانب الروسي والتتاري، سواء على المستوى الرسمي أو الاقتصادي أو الشعبي. وقد برز هذا الاهتمام بشكل لافت من خلال الحفاوة الكبيرة التي قوبل بها الوفد العُماني المشارك، والذي يعد من أكبر الوفود الخليجية والعربية حضورًا في المنتدى هذا العام.

وشهد جناح سلطنة عُمان في معرض “إكسبو كازان” حضورًا مميزًا من خلال مشاركة وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، إلى جانب عشر شركات ومؤسسات صغيرة ومتوسطة، عكست في مجملها صورة مشرقة عن المنتج العُماني، وقدرته على الحضور في الأسواق الدولية، خاصة في قطاعات الصناعات الغذائية والمنتجات الحلال والخدمات اللوجستية والاستثمارية.

ورغم ضغط البرنامج وكثافة الاجتماعات والفعاليات المصاحبة، إلا أن ما لفت انتباهي خلال مرافقتي للوفد هو ذلك الانضباط والحرص الكبير الذي أبداه وفد رجال الأعمال العُماني برئاسة المهندس سعيد بن علي العبري على المشاركة في مختلف الجلسات والمنتديات واللقاءات الثنائية، إيمانًا منهم بأهمية هذه المشاركة وما يمكن أن تثمر عنه من فرص اقتصادية واستثمارية واعدة بين البلدين.

وكان من أبرز المحطات المهمة مشاركتنا في منتدى الأعمال الروسي العُماني، والذي حظي بحضور استثنائي من فخامة رستم مينيخانوف رئيس جمهورية تتارستان، الذي رحب بالوفد العُماني ترحيبًا كبيرًا، وأشاد بالعلاقات التي تجمع بلاده بسلطنة عُمان، واصفًا الشعب العُماني بالشعب الصديق الخلوق، ومعربًا عن أمله في أن يشهد الحضور العُماني المتزايد في كازان ترجمة حقيقية لآفاق أرحب من التعاون الاقتصادي والاستثماري والثقافي بين البلدين.

كما عكس حديث سعادة الشيخ خليفة بن علي الحارثي عمق العلاقات العُمانية الروسية، حين أشار إلى أن هذه العلاقات بدأت منذ ثمانينيات القرن الماضي، لكنها شهدت نقلة نوعية كبيرة بعد الزيارة السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله – إلى روسيا الاتحادية، وهي الزيارة التي فتحت أبوابًا واسعة أمام تنشيط العلاقات الثنائية في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية.

ومن بين الكلمات التي حملت رسائل اقتصادية واضحة، جاءت كلمة سعادة المهندس أحمد بن حسن الذيب، والتي أكد فيها ترحيب سلطنة عُمان بالاستثمارات الروسية، واستعدادها لتقديم مختلف التسهيلات للمستثمرين، مستعرضًا ما تتمتع به السلطنة من موقع استراتيجي مهم وإطلالة على بحار آمنة بعيدة عن التجاذبات السياسية، إضافة إلى ما تمتلكه من بنية لوجستية متطورة ومناطق اقتصادية واعدة قادرة على استقطاب الاستثمارات الدولية.

كما تحدث المهندس سعيد بن علي العبري عن التطور الكبير الذي شهدته العلاقات التجارية والاستثمارية بين سلطنة عُمان وروسيا خلال السنوات الخمس الماضية، مؤكدًا أن ارتفاع حجم التبادل التجاري بين البلدين يعكس جدية الطرفين في بناء شراكة استراتيجية قائمة على المصالح المشتركة والرؤية المستقبلية الواعدة.

وما أثلج صدري خلال هذه الزيارة أن أكون شاهدًا على توقيع اتفاقية تعاون بين شركة لبيك تيليكوم لتقنية المعلومات، بقيادة رجل الأعمال خالد بن صالح الحسيني، وبين مول جروب، المتخصصة في عدة قطاعات من بينها الاتصالات وتقنية المعلومات والذكاء الاصطناعي. وقد عكست هذه الاتفاقية روح الشراكة الحقيقية التي تسعى إليها مثل هذه المنتديات الاقتصادية، خاصة أنها تمثل خطوة عملية لنقل الخبرات والتكنولوجيا الروسية المتطورة إلى سلطنة عُمان، بحجم استثمارات يصل إلى نحو سبعة ملايين ريال عُماني.

إن مثل هذه الاتفاقيات تمنح المشاركات العُمانية بعدًا عمليًا يتجاوز الحضور البروتوكولي أو التمثيل الرسمي، لتتحول إلى مشاريع حقيقية وشراكات اقتصادية ملموسة تنعكس آثارها على الاقتصاد الوطني، وتفتح آفاقًا جديدة أمام الشركات العُمانية للاستفادة من التجارب والتقنيات العالمية.

إن ما ميّز الحضور العُماني في كازان لم يكن فقط حجم الوفد أو تنوع مشاركاته، بل تلك الرغبة الحقيقية التي لمسناها لدى رجال الأعمال العُمانيين في التوسع والبحث عن فرص جديدة في الأسواق الروسية، خاصة في ظل ما توفره جمهورية تتارستان من إمكانيات اقتصادية وصناعية كبيرة، وما تبديه حكومتها من اهتمام واضح بتنمية علاقاتها مع سلطنة عُمان.

وفي المقابل، بدا واضحًا أن الجانب التتاري والروسي ينظر إلى سلطنة عُمان باعتبارها شريكًا موثوقًا وبوابة استراتيجية مهمة نحو أسواق المنطقة، في ظل ما تتمتع به السلطنة من استقرار سياسي واقتصادي، وعلاقات متوازنة مع مختلف دول العالم، ورؤية اقتصادية طموحة تنطلق من مستهدفات رؤية عُمان 2040.

وفي ختام هذه الرحلة، أدركتُ أن أهمية الوفود التجارية لا تكمن فقط في توقيع الاتفاقيات أو حضور المنتديات الاقتصادية، بل في قدرتها على بناء جسور إنسانية وثقافية واقتصادية طويلة الأمد بين الشعوب. فمثل هذه الوفود التي تنظمها الغرف التجارية تمثل اليوم أحد أهم أدوات الدبلوماسية الاقتصادية الحديثة، لأنها تفتح أبواب التعارف المباشر، وتمنح رجال الأعمال فرصة اكتشاف الأسواق الجديدة وبناء الشراكات وتبادل الخبرات والتجارب.

كما أن الوفود الثقافية والإعلامية المصاحبة لهذه المشاركات تؤدي دورًا لا يقل أهمية، إذ تسهم في نقل الصورة الحضارية للدول وتعزيز التقارب بين الثقافات والشعوب، وهو ما لمسناه بوضوح في كازان، حيث حضرت عُمان بثقافتها، وأخلاق شعبها، واقتصادها، ورؤيتها المستقبلية الطموحة.

ومن هنا، فإن استمرار تنظيم مثل هذه الوفود النوعية يعزز حضور سلطنة عُمان على الخارطة الاقتصادية الدولية، ويؤكد أن الغرف التجارية لم تعد مجرد مؤسسات تمثل القطاع الخاص، بل أصبحت منصات فاعلة لصناعة العلاقات الاقتصادية والثقافية، ورافدًا مهمًا لدعم توجهات التنمية والشراكة التي تنطلق منها رؤية عُمان 2040.

لقد كانت كازان بالنسبة لي أكثر من مجرد مدينة تستضيف منتدى دوليًا للحلال… كانت نافذة جديدة أطل منها على مستقبل العلاقات العُمانية الروسية، وعلى إصرار عُماني حقيقي بأن تكون السلطنة حاضرة في كل المنصات الاقتصادية الدولية، بثقة، ورؤية، وطموح لا يعرف الحدود.

مجلة “الواحة العُمانية” تُصدر عددًا خاصًا بمناسبة الذكرى السادسة لتولي جلالة السلطان هيثم بن طارق مقاليد الحكم
زر الذهاب إلى الأعلى