قرية المقحم بالرستاق.. تجربة وطنية ملهمة في الشراكة المجتمعية وتعزيز الصحة

الرستاق في الأول من مارس 2026 /العُمانية/ تُجسّد القرى الصحية بمحافظة جنوب الباطنة نموذجًا وطنيًّا متقدمًا للمبادرات المجتمعية الرامية إلى الارتقاء بصحة الفرد والمجتمع، عبر شراكة فاعلة بين الجهات الحكومية والأهالي ضمن برنامج القرى الصحية بوزارة الصحة، الذي يرسّخ مفاهيم الوقاية والتمكين والاستدامة الصحية، ويعزز ثقافة المسؤولية المشتركة لتحسين جودة الحياة.

وأوضح القائمون على برنامج الشراكة والمبادرات المجتمعية بالمديرية العامة للخدمات الصحية بمحافظة جنوب الباطنة أن المحافظة من المحافظات الرائدة في هذا المجال، حيث تضم ثماني قرى صحية موزعة على ولاياتها المختلفة، كما انضمت إلى شبكة المدن الصحية الإقليمية بثلاث مدن هي: بركاء، والرستاق، والمصنعة، في خطوة تعكس التزامها بتطبيق المعايير المعتمدة لتعزيز الصحة العامة.

وتُعد قرية المقحم الصحية بولاية الرستاق أولى القرى الصحية بالمحافظة، إذ بدأ مشروعها النموذجي عام 2015 عقب صدور قرار إداري بتشكيل لجنة لتنمية القرية، في إطار تنظيم العمل الصحي المجتمعي وفق أسس مؤسسية واضحة ومستدامة.

وتشرف اللجنة الصحية – برئاسة سعادة والي الرستاق – وعضوية ممثلين عن جهات حكومية عدة، من بينها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، ووزارة التنمية الاجتماعية، والبلدية، وشرطة عُمان السلطانية، ووزارة التعليم، إضافة إلى نادي الرستاق، على متابعة تنفيذ البرامج والمبادرات بما يعزز تكامل الجهود لخدمة أهداف المشروع.

ويبلغ عدد سكان القرية 429 نسمة، بواقع 211 ذكرًا و218 أنثى، موزعين على 79 أسرة، بينهم 26 من كبار السن. وتشير البيانات الصحية إلى وجود نسب محدودة من الأمراض المزمنة كضغط الدم والسكري وأمراض الدم الوراثية، حيث تخضع معظم الحالات للمتابعة والسيطرة بفضل جهود ممثلات الأسر في التوعية المنزلية والتثقيف الصحي، إلى جانب دعم المؤسسة الصحية المختصة بالبرامج الوقائية والمتابعة المستمرة.

وشهدت القرية تنفيذ عدد من المشاريع التنموية والصحية، من أبرزها إنشاء صالة رياضية بشراكة مجتمعية مع مؤسسة الجسر للأعمال الخيرية، لتشجيع المجتمع على تبني أنماط حياة صحية. كما جرى استبدال خزانات المياه الإسمنتية بأخرى مطابقة للاشتراطات الصحية، وبناء حظائر للحيوانات بعيدًا عن المساكن للحد من مسببات التلوث، إضافة إلى تسوير المقبرة وتنفيذ حملات نظافة دورية للحفاظ على البيئة والمظهر العام.

وفي مجال التوعية والتأهيل، نظمت القرية فعاليات “افحص واطمئن” للكشف المبكر عن الأمراض المزمنة، إلى جانب ورش تدريبية في الإسعافات الأولية والإنعاش القلبي الرئوي، وبرامج في العمل التطوعي وإدارة الأزمات والطوارئ، بما يعزز جاهزية المجتمع للتعامل مع مختلف الظروف الصحية بكفاءة ومسؤولية.

كما استقبلت القرية وفودًا رسمية وزيارات ميدانية، من بينها ممثلون عن منظمة الصحة العالمية ووفود من جمعيات الهلال الأحمر بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، للاطلاع على تجربتها في تطبيق معايير المدن والقرى الصحية، فضلًا عن زيارات أكاديمية متخصصة.

وأصبحت قرية المقحم مركزًا تدريبيًّا يُقصد من مختلف محافظات سلطنة عُمان لتبادل الخبرات واستعراض أفضل الممارسات. وشاركت في النسخة السابعة من جائزة السلطان قابوس للعمل التطوعي تأكيدًا لدورها الفاعل في العمل التطوعي، كما أُنتج عام 2017 فيلم وثائقي يوثق مسيرتها وإنجازاتها، وشاركت في مؤتمر المدن الأول بمحافظة ظفار في أكتوبر 2024 ممثلة بمقرر لجنة تنمية القرية، إلى جانب تنظيمها تكريمًا دوريًّا لممثلي وممثلات الأسر والمتطوعين تقديرًا لجهودهم في دعم استدامة المشروع.

وتؤكد تجربة قرية المقحم الصحية بولاية الرستاق أن العمل التشاركي بين المؤسسات الرسمية والمجتمع المحلي يشكل ركيزة أساسية لتحقيق تنمية صحية شاملة، ويعكس وعيًا مجتمعيًّا متقدمًا بأهمية الوقاية وتعزيز جودة الحياة، بما ينسجم مع التوجهات الوطنية لبناء مجتمع صحي ومستدام.

مجلة “الواحة العُمانية” تُصدر عددًا خاصًا بمناسبة الذكرى السادسة لتولي جلالة السلطان هيثم بن طارق مقاليد الحكم
زر الذهاب إلى الأعلى