الوعي المجتمعي خط الدفاع الأول في مواجهة الشائعات والمعلومات المضللة

مسقط في 7 مارس 2026 /العُمانية/ يُعدّ الوعي المجتمعي ركيزة أساسية في مواجهة الشائعات والمعلومات المضللة، خصوصًا في أوقات الأزمات والتوترات الإقليمية التي يزداد خلالها تداول الأخبار غير الدقيقة، في ظل التدفق المتسارع للمعلومات عبر منصات التواصل الاجتماعي.
ويجسّد المواطن العُماني والمقيم على أرض السلطنة نموذجًا للشراكة المجتمعية الواعية في مواجهة الشائعات، من خلال الحرص على استقاء المعلومات من مصادرها الرسمية وعدم الانسياق خلف الأخبار غير الموثوقة.
وأكد عدد من المختصين لوكالة الأنباء العُمانية أن التصدي للشائعات يتطلب وعيًا مجتمعيًا ومسؤولية مشتركة بين الجهات الرسمية والأفراد والمؤسسات، مشيرين إلى أن التحقق من صحة المعلومات قبل نشرها يسهم في الحد من انتشار الأخبار المضللة ويعزز استقرار المجتمع وثقته بالمصادر الرسمية.

وقال الدكتور أحمد بن علي الشعيبي إن الكلمة ليست مجرد تعبير عابر، بل مسؤولية أخلاقية ومعرفية تؤثر في تشكيل الوعي وصون المجتمع، موضحًا أن أخطر ما قد يواجه المجتمعات في أوقات الأزمات ليس الأحداث بحد ذاتها، بل الضجيج المعرفي الذي قد يربك العقول ويشوّش الحقيقة.
وأوضح أن الشائعة ليست مجرد خطأ في تداول الأخبار، بل ظاهرة قد تؤدي إلى إرباك الوعي العام وتقويض الثقة بين أفراد المجتمع، مبينًا أن انتشار الأخبار غير الموثوقة قد يجعل المجتمعات بيئة قابلة لتضليل الرأي العام وإضعاف تماسكها.
وأشار إلى أن الوعي المجتمعي يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة هذه الظاهرة، ويبدأ من إدراك الفرد لمسؤوليته الأخلاقية والقانونية عند تداول المعلومات، مؤكدًا أن المنصات الرقمية أصبحت اليوم فضاءات للتوثيق والشهادة، وليست مجرد مساحات للتعبير أو الترفيه.
وأضاف أن التثبت من المعلومات قبل نشرها يمثل قيمة أصيلة في المنظومة الإسلامية، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾، مبينًا أن هذا التوجيه القرآني يؤسس لمنهج قائم على التحقق والرجوع إلى المصادر الموثوقة وأهل الاختصاص.
وبيّن أن الالتزام بهذا النهج يسهم في حماية المجتمع من آثار التضليل الإعلامي والشائعات، ويعزز قدرة الأفراد على التمييز بين الحقيقة والزيف في ظل التدفق الكبير للمعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وأكد أن على الفرد في العصر الرقمي التحلي بالوعي النقدي والمسؤولية الأخلاقية عند تداول الأخبار، مشيرًا إلى أن إعادة نشر المعلومات دون التحقق من صحتها قد يسهم في تضخيم الشائعات وإلحاق الضرر بالمجتمع، حتى وإن كان الناشر يعتقد أنه ينقل ما يتداوله الآخرون فقط.
وأوضح أن المجتمعات الواعية تدرك أن الكلمة قد تكون أداة للبناء كما قد تكون سببًا للهدم، وأن حماية المجال العام من الشائعات مسؤولية جماعية تتطلب تعاون الأفراد والمؤسسات.
وأشار إلى أن ترسيخ ثقافة التحقق والوعي الإعلامي يعزز مناعة المجتمع في مواجهة الأخبار المضللة، ويسهم في دعم الاستقرار الاجتماعي وترسيخ الثقة بالمصادر الرسمية، مؤكدًا أن بناء الوعي عملية مستمرة تتطلب التعليم والتثقيف وتعزيز قيم المسؤولية الرقمية لدى مختلف فئات المجتمع.

من جانبه قال الدكتور معمر بن علي التوبي، أكاديمي وباحث عُماني، إن تسارع إنتاج المعلومات وانتشارها في الفضاء الرقمي يفرض تحديات كبيرة، أبرزها صعوبة التمييز بين الشائعة والخبر المهني الموثوق.
وأوضح أن الخبر المهني يعتمد على منهجية تحريرية واضحة ويستند إلى مصدر معروف ويُعرض بلغة متوازنة، في حين تتسم الشائعة غالبًا بالغموض في المصدر وصعوبة التحقق منه، كما تبدأ عادة بعبارات عامة مثل: “مصادر مطلعة” أو “مسؤول كبير” أو “تداولت بعض الحسابات”، إلى جانب اعتمادها على إثارة العاطفة والقلق لجذب انتباه المتلقي.
وأشار إلى أن التحقق من الأخبار قبل نشرها يتطلب عدة خطوات، من أبرزها التأكد من مصدر الخبر، ومقارنته مع أكثر من وسيلة إعلامية موثوقة، والتحقق من الصور والمقاطع المتداولة عبر أدوات البحث العكسي للتأكد من عدم إعادة نشر محتوى قديم أو مفبرك.
وأكد أن التزام المؤسسات الإعلامية بالشفافية وسرعة تصحيح الأخطاء يعزز مصداقيتها ويحد من انتشار الشائعات، مشيرًا إلى أن بعض المؤسسات الإعلامية العالمية خصصت منصات لرصد الأخبار المضللة والتحقق منها.
كما لفت إلى أن تقنيات الذكاء الاصطناعي تمثل تحديًا إضافيًا، خصوصًا مع ظهور تقنيات “التزييف العميق” التي تنتج مقاطع صوتية أو مرئية مزيفة تبدو واقعية، مؤكدًا أن مواجهتها تتطلب استخدام تقنيات مضادة لرصد التلاعب وتحليل المحتوى المشبوه.
وأكد أن الوعي المجتمعي والاعتماد على المصادر الرسمية والمسؤولية الرقمية الفردية تمثل عناصر أساسية لحماية المجتمع من التضليل الإعلامي وترسيخ الثقة في البيئة الإعلامية.

بدوره قال المحامي الدكتور أحمد بن عبدالله الشنفري إن نشر الشائعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي يشكل تحديًا متزايدًا، مؤكدًا أن القانون العُماني وضع إطارًا واضحًا للتعامل مع هذه الظاهرة لما قد تسببه من مساس بالنظام العام والاستقرار الأمني والاجتماعي والاقتصادي.
وأوضح أن قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (12/2011) يجرّم استخدام الشبكة المعلوماتية في نشر محتوى يمس النظام العام، حيث تنص المادة (19) على عقوبات تصل إلى السجن مدة لا تقل عن شهر ولا تزيد على ثلاث سنوات، إضافة إلى غرامة مالية قد تصل إلى ثلاثة آلاف ريال عُماني أو بإحدى هاتين العقوبتين.
وأشار إلى أن إعادة نشر المعلومات غير المؤكدة عبر المشاركة أو إعادة التغريد قد تُعامل قانونيًا معاملة النشر الأصلي إذا ساهمت في انتشار المحتوى المخالف.
وأكد أن نشر الشائعات قد يؤدي إلى أضرار قانونية واجتماعية واقتصادية، مثل تشويه السمعة أو فقدان الثقة بالمؤسسات أو إلحاق خسائر اقتصادية بالجهات المتضررة.

من جانبها قالت الدكتورة موزة بنت عبدالله الرواحي، أستاذ مساعد في الصحافة والنشر الإلكتروني بجامعة السلطان قابوس، إن التربية الإعلامية والمعلوماتية تمثل أساسًا في بناء مجتمع قادر على مواجهة الشائعات، من خلال تمكين الأفراد من فهم الرسائل الإعلامية وتحليلها والتعامل معها بوعي ومسؤولية.
وأوضحت أن التطور السريع للفضاء الرقمي وتعدد مصادر المعلومات جعلا المتلقي اليوم مطالبًا بامتلاك مهارات التمييز بين المعلومات الصحيحة والمضللة قبل تداولها.
وأشارت إلى أن تقارير دولية تفيد بأن أكثر من 70 بالمائة من مستخدمي الإنترنت حول العالم يتعرضون لمحتوى مضلل مرة واحدة على الأقل أسبوعيًا، وهو ما يعكس حجم التحدي الذي تواجهه المؤسسات الإعلامية في الحد من انتشار الأخبار الزائفة.
وأكدت أن التربية الإعلامية تسهم في بناء مناعة معرفية لدى الأفراد من خلال تنمية مهارات التفكير النقدي والقدرة على التحقق من المصادر وفهم آليات عمل المنصات الرقمية والخوارزميات التي تتحكم في وصول المحتوى إلى المستخدمين.
وفي السياق ذاته أوضحت الباحثة في الرأي العام مريم بنت محمد السمرية أن فهم أسباب انتشار الشائعات يعد خطوة أساسية في مواجهتها، مشيرة إلى أن من أبرز هذه الأسباب غياب المعلومة الرسمية أو تأخر صدورها، ما يفتح المجال لتداول معلومات غير دقيقة.
وأضافت أن منصات التواصل الاجتماعي تسهم في تسريع انتشار الشائعات بسبب سهولة إعادة النشر وارتفاع معدلات التفاعل، إلى جانب ميل بعض المستخدمين لتصديق الأخبار التي تتوافق مع توقعاتهم أو تخفف مخاوفهم.
وأكدت أن التعامل الفاعل مع الشائعات يتطلب سرعة تصحيح المعلومات، وتعزيز الإفصاح الرسمي، وتبني خطط إعلامية لإدارة الأزمات، إلى جانب استخدام أدوات تقنية لرصد المحتوى المضلل.
وفي ظل التحولات المتسارعة في البيئة الإعلامية الرقمية، يظل الوعي المجتمعي والالتزام بالمسؤولية في تداول المعلومات خط الدفاع الأول لحماية المجتمع من الشائعات والمعلومات المضللة وتعزيز الثقة بالمصادر الموثوقة.





