البيت الشرقي في مطرح… معلم تاريخي يستعيد حضوره بعد أكثر من قرن

مطرح في 8 مارس 2026 /العُمانية/ يُعد البيت الشرقي أحد المعالم التاريخية البارزة في مطرح بمحافظة مسقط، حيث شكّل على مدى عقود محطة لاستقبال التجار والزوار القادمين إلى المدينة التي عُرفت تاريخيًّا بدورها الحيوي في النشاط البحري والتجاري.

واستعاد البيت حضوره من جديد بعد الانتهاء من أعمال ترميمه ضمن اتفاقية وقّعتها وزارة التراث والسياحة مع شركة فنادق ومنتجعات جبال الحجر، في خطوة تهدف إلى الحفاظ على هذا المعلم التاريخي وصون هويته العمرانية، خاصةً مع موقعه القريب من قلعة مطرح، إذ يعود تاريخ بنائه إلى نحو 131 عامًا.

وقالت حميدة بنت سليمان العزرية مديرة المشاريع ورئيسة المهندسين المعماريين بالشركة إن تسمية البيت الشرقي جاءت نسبة إلى موقعه في الجهة الشرقية من مطرح، مشيرةً إلى أن بناءه يعود إلى نحو عام 1895م، وقد شيّده التاجر سعيد بن راشد الزكواني، أحد التجار العُمانيين المعروفين في تلك الفترة، الذي ارتبط نشاطه التجاري بتصدير “البسور” عبر المرفأ الذي كان يُعرف آنذاك باسم “الفرضة”.

وأضافت أن اختيار موقع البيت جاء لقربه من الميناء بما يخدم طبيعة النشاط التجاري ويُسهّل عمليات التخزين والتصدير، حيث خُصص جزء من الطابق الأرضي كمخازن للبضائع. كما أوضحت أن الشكل الحالي للبيت استكمل بناؤه لاحقًا على يد طالب بن محمد الزكواني عام 1960م.

وأشارت إلى أن البيت كان خلال تلك الفترة ملتقى للأعيان والتجار القادمين من مختلف محافظات سلطنة عُمان، لا سيما من محافظات الداخلية والباطنة والشرقية، حيث كانت تُعقد فيه اللقاءات الصباحية وتبادل الأخبار قبل التوجه إلى السوق، في ركن من البيت عُرف باسم “الصباح”. كما استُخدم في بدايات النهضة المباركة مقرًا لوزارة الأراضي آنذاك.

ويمتاز البيت الشرقي بطابعه المعماري الفريد الذي يجسد مزيجًا من التأثيرات الثقافية التي شكّلت ملامح مدينة مطرح التاريخية؛ إذ يجمع بين عناصر العمارة التقليدية في بيوت مطرح آنذاك، إلى جانب تأثيرات معمارية من شرق أفريقيا، في انعكاس لطبيعة مطرح كميناء تجاري نشط ارتبط بحركة التجارة والهجرة عبر المحيط الهندي. كما تظهر في بعض تفاصيله نقوش وزخارف تحمل تأثيرات فارسية وهندية تعكس التبادل الثقافي الذي شهدته المنطقة في تلك الحقبة.

من جانبها، أوضحت رفيعة بنت إبراهيم البهلانية، المهندسة المعمارية ورئيسة التنفيذ التقني في الشركة، أن فريق العمل حرص خلال أعمال الترميم على الحفاظ على الخصائص المعمارية الأصيلة للبيت دون المساس بهويته التاريخية، حيث تم ترميم الأبواب والنوافذ وإعادة تأهيلها باستخدام القطع الأصلية قدر الإمكان، بينما جرى تصنيع بدائل مطابقة للأصل فقط للأجزاء التي تعذر ترميمها.

وأضافت أنه تم الحفاظ على التقسيمات الداخلية للبيت كما كانت تاريخيًّا، مع إعادة توظيف بعض المساحات لتتلاءم مع دوره الجديد كمزار سياحي، في محاولة لتحقيق توازن بين الحفاظ على أصالة المعلم التاريخي وتوفير تجربة ثقافية ومعمارية مميزة للزوار.

وأشارت إلى أن تصميم البيت يعكس قدرة العمارة التقليدية على التكيّف مع المناخ البحري؛ إذ تتوسطه ساحة داخلية تسمح بمرور الهواء وتوفر مساحة مظللة للجلوس، كما صُممت الشرفات والنوافذ بطريقة مدروسة تسمح بدخول نسيم البحر وتوزيعه داخل الفراغات، ما يسهم في تهوية المكان وتلطيف درجة الحرارة داخله، وهي حلول معمارية تعكس فهمًا عميقًا لخصوصية المناخ المحلي قبل ظهور وسائل التبريد الحديثة.

ويضم البيت الشرقي اليوم أربع غرف نوم تعمل بنظام “البوتيك هوتيل”، إلى جانب متجر للهدايا التذكارية ومطعم وغرفة متعددة الأغراض، في تجربة تجمع بين الإقامة والطابع التراثي. كما يحتضن البيت أول بئر شُيّد على تلة في مطرح، وقد أُعيد توظيفه بطريقة تحافظ على قيمته التاريخية وتبرز أهميته ضمن مكونات هذا المعلم العريق.

مجلة “الواحة العُمانية” تُصدر عددًا خاصًا بمناسبة الذكرى السادسة لتولي جلالة السلطان هيثم بن طارق مقاليد الحكم
زر الذهاب إلى الأعلى