الحارات العُمانية القديمة.. وجهات سياحية متجددة

نزوى في 15 مارس 2026 /العُمانية/ تحظى الحارات العُمانية القديمة باهتمام متزايد في مجال الترميم والتطوير لتتحول إلى وجهات سياحية تجمع بين الأصالة والتجديد، حيث تعكس هذه الحارات تاريخ المجتمع العُماني وتفاصيل حياته اليومية من خلال أزقتها الضيقة وبيوتها الطينية المزينة بنقوش معمارية تقليدية، لتغدو فضاءات سياحية نابضة بالحياة تستقطب الزوار من داخل سلطنة عُمان وخارجها.

ويأتي هذا التوجه في إطار جهود مشتركة بين وزارة التراث والسياحة وأفراد المجتمع المهتمين بالحفاظ على الهوية الثقافية وصون الموروث العمراني.

وقالت أسماء بنت هلال الخروصي المكلفة بأعمال مدير القلاع والحصون والمعالم التاريخية بوزارة التراث والسياحة: “تحرص الوزارة على أن تكون الحارات العُمانية القديمة مواقع حية تعكس عمق الهوية العُمانية وتاريخها، لا مجرد معالم معمارية صامتة، ولذلك تقوم خططها على تحقيق التوازن بين الحفاظ على القيمة التاريخية والمعمارية لهذه الحارات وتفعيل دورها في التنمية السياحية والاقتصادية”.

وأوضحت أن الوزارة تعمل على توثيق الحارات التاريخية وحمايتها، ودعم مشروعات الترميم والصيانة وفق منهجيات تحافظ على أصالة النسيج العمراني التقليدي، إلى جانب تشجيع استثمار المباني التراثية في أنشطة سياحية وثقافية متنوعة مثل النزل التراثية والمقاهي التقليدية ومساحات الحرف والصناعات الإبداعية، بما يسهم في إعادة توظيف هذه المواقع وإحياء حضورها في الحياة اليومية.

وأضافت أن الجهود تشمل كذلك تطوير البنية الأساسية والخدمات المساندة للزوار، من خلال إنشاء مسارات للزيارة، وتركيب اللوحات التعريفية، وتوفير المرافق السياحية، بما يضمن تقديم تجربة سياحية متكاملة تحافظ على روح المكان وتعزز جاذبيته.

وبيّنت أن هذه المبادرات تسعى في مجملها إلى تحويل الحارات العُمانية إلى وجهات سياحية مستدامة تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وتوفر فرصًا اقتصادية للمجتمع المحلي، بما يدعم تنشيط الحركة السياحية ويعزز إسهام التراث في مسارات التنمية الوطنية.

وتُعد حارة الحمراء من أبرز الحارات التي شهدت أعمال تطوير في السنوات الأخيرة، حيث قال سلطان بن سيف العبري عضو اللجنة الأهلية لتطوير الحمراء: “تمتاز الحارة بموقعها الفريد، إذ شُيّدت على سفح جبلي يطل على الواحة الزراعية، ويعبر خلالها فلج الحمراء في مشهد متكامل يجسد تناغم العمارة التقليدية للإنسان العُماني وقدرته على التكيف مع طبيعة المكان”.

وأشار إلى أن اللجنة الأهلية لتطوير ولاية الحمراء بدأت تنفيذ مشروعاتها منذ عام 2014، حيث كان أولها صيانة ساقية الرس المصممة لتصريف المياه في الواحة الزراعية المجاورة للحارة.

وأضاف أن المرحلة التالية تضمنت تأهيل المسارات الزراعية التي تربط الحارة بالمزارع، ورصفها بالأحجار والإسمنت، حيث تجاوزت أطوال هذه المسارات ستة آلاف متر، وأسهمت هذه الجهود في إثراء التجربة السياحية عبر أنشطة متعددة مثل التجوال بالدراجات الهوائية، واستخدام السيارات الكهربائية السياحية، وركوب الخيل، إضافة إلى تعزيز نمط الحياة الصحي من خلال المشي بين معالم الحارة والمسارات الزراعية في الواحة.

وأشاد العبري بالجهود الحكومية في دعم مبادرات تطوير الحارات، مشيرًا إلى دور الجهات المعنية في توفير المعدات اللازمة وإصدار التراخيص المطلوبة، إلى جانب إضافة أماكن للجلوس والاستراحة على امتداد المسارات.

وبيّن أن اللجنة نفذت عددًا من المشروعات المحورية للحفاظ على هوية الحارة وتراثها العمراني، من أبرزها إعادة تأهيل عريش السدرة عند المدخل الشرقي للحارة، وترميم سبلة الصلف والصباحات، مثل صباح النعب وصباح المغري، التي تُعد من أبرز المعالم التاريخية في الحارة.

وأشار إلى أنه في عام 2023 قدمت الشركة العُمانية لنقل الكهرباء دعمًا تمثل في تركيب 400 مصباح يعمل بالطاقة الشمسية، أسهمت في إنارة مسارات الحارة والطرق الزراعية وإضفاء بعد جمالي عليها، بما عزز من جاذبيتها السياحية. كما أوضح أن أعمال التطوير في الحارة والواحة الزراعية نُفذت بالتنسيق والشراكة مع الأهالي، بما يعزز روح التعاون المجتمعي ويحقق رضا مختلف الأطراف.

وأضاف أن رؤية اللجنة ركزت على إنشاء مرافق أساسية تمهد لإقامة مشروعات جذب سياحي مستقبلاً، وإعادة استثمار المقومات الطبيعية والتراثية التي تتميز بها الحارة، الأمر الذي أسهم في ظهور عدد من النزل التراثية والاستراحات والمقاهي، وانتعاش الأنشطة الخدمية المصاحبة لها، بما يخلق فرص عمل ويعزز القيمة الاقتصادية للمكان.

وأشار كذلك إلى أن وزارة الإسكان والتخطيط العمراني قامت خلال السنوات الماضية بإعداد دراسة للمخطط الحضري لحارة الحمراء، تضمنت وضع الأطر العامة لتطويرها من حيث التقسيم العام للحارة ومرافقها، مع الحفاظ على الهوية العمرانية الأصيلة.

وفي سياق متصل، تحدث سالمين بن السبع المحروقي صاحب مشروع مقهى كدم بولاية بهلاء عن القيمة المضافة للاستثمارات في الحارات القديمة، مؤكدًا أن هذه المبادرات تمثل نموذجًا متوازنًا يجمع بين الأصالة والحداثة.

وقال إن فكرة إنشاء المقهى في قلب سوق بهلاء جاءت لإعادة الحيوية إلى الأسواق التقليدية، مستندة إلى ما تزخر به الولاية من مقومات سياحية مثل الحارات التاريخية والقلاع والأفلاج، إضافة إلى الصناعات التقليدية كالفخار ودباغة الجلود وصياغة النحاسيات والفضيات وغيرها من الحرف التي توارثها العُمانيون عبر الأجيال.

وأكد أن هذا الحراك التنموي يمثل نقلة نوعية في تعزيز النشاط الاقتصادي للمواطنين وتشجيع الاستثمار المحلي والأسر المنتجة، كما يسهم في إعادة الحياة إلى الحارات التي كانت شبه مهجورة، مما يبرز أهمية الحفاظ على الإرث الحضاري وإحياء هذه المواقع التاريخية بوصفها رافدًا اقتصاديًا مستدامًا.

ومن جانبه قال محمد بن عبد الله الدغيشي مرشد سياحي: “إن الزائر للحارات العُمانية القديمة غالبًا ما يندهش منذ اللحظة الأولى لدخوله أزقتها، إذ يكتشف أن ما يراه ليس مجرد مبانٍ تاريخية، بل حكاية حيّة ما زالت تفاصيلها حاضرة في حياة الناس”.

مجلة “الواحة العُمانية” تُصدر عددًا خاصًا بمناسبة الذكرى السادسة لتولي جلالة السلطان هيثم بن طارق مقاليد الحكم
زر الذهاب إلى الأعلى