جوهر الفعل الفلسطيني

تحسين يقين
كان قد مرّ على احتلال ما تبقى من البلاد عام 1967 تسع سنوات، و12 عاما على تأسيس منظمة التحرير، و11 عاما على انطلاق حركة فتح كأول فصيل وطني، تلته فصائل أخرى توالدت من بعضها بعضا.
كنا أبناء 9 سنوات، مواليد عام الهزيمة، وما أذكره هو اهتمام جزء من أهل بيت دقو، شمال غرب القدس، بالانتخابات البلدية التي جرت في الضفة الغربية، والتي اقتصرت على المدن، وبالطبع لم نرها، ولم نعرف معناها، لكنني أذكر فرح الناس بنتائج الانتخابات ولم أدر سبب الفرح، أما أنا الطفل فقد فرحت لفرحهم.
كان قد مر عام أو أكثر قليلا على زيارة المرحوم عبد الجواد صالح، رئيس بلدية البيرة، لقريتنا تضمنا مع الفلاحين أمام أخطار الاستيطان، والتي تم وأدها في ذلك الحين، ثم لنكبر ونصغي ونقرأ، وما زلنا كذلك، وقد غزا الأبيض ما تبقى من شعرنا.
في 12 نيسان 1976، سمحت سلطات الاحتلال بإجراء انتخابات شارك فيها معظم سكان المدن وبلدات كبيرة نسبيا، وكانت النتيجة لصالح وطنيي منظمة التحرير الفلسطينية.
اليوم وقد مرّت هذه العقود الخمسة أتساءل، هل فوجئت أجهزة أمن سلطات الاحتلال بالنتيجة؟ وكيف تفاجأ والصغير والكبير يرى ويشاهد المدّ الوطني؟ وهل كان في ذهن الاحتلال إمكانية فصل شعبنا هنا عن الخارج؟ ربما كان في ذهن المحتل أمر آخر، لعلنا يوما نتعرّف عليه.
كبرنا، من الصف الثالث الى الصفوف التي تلت، صرنا في المرحلة الإعدادية، فقد كنا نقيس العمر بالصف لا بالعام، لتبدأ بعدها مضايقة ممنهجة للوطنيين، بمن فيهم رؤساء البلديات المنتخبين؛ فتنفي سلطات الاحتلال محمد ملحم رئيس بلدية حلحول، وفهد القواسمي رئيس بلدية الخليل عام 1980 بعد عملية الدبويا. أما في حزيران 1980 فتعرض كل من بسام الشكعة رئيس بلدية نابلس وكريم خلف رئيس بلدية رام الله إلى اعتداءين منفصلين بقنابل زرعت في سيارتيهما، من خلال تنظيم سري للمستوطنين، لتقيل السلطات الإسرائيلية عام 1982 عدد من رؤساء البلديات.
ثم لتعود الانتخابات مرة أخرى، بعد تأسيس السلطة الوطنية منتصف التسعينيات، وكان ما كان من انتخابات محلية وبرلمانية، تأثرت نتائجها بما حدث من تحولات خلال ال 3 عقود.
ربما وجدنا من عثر على مفارقة، تتعلق بتغير الثقافة الانتخابية من تقليل التنافس السياسي لصالح العودة الى التفاهمات التقليدية في ظل التفاهم السياسي لا نفيه. وربما والحالة كما نرى يمكن أن تحيلنا الى مفارقة الاهتمام السياسي نفسه، من الأحاح على العامل الوطني السياسيّ الى الزهد النسبي به، ما بين فرحة الشارع في ربيع عام 1976، الى المشاعر المحايدة، التي تأثرت بكل ما نعيشه موضوعيا وذاتيا.
غريب عجب الناس بما يحدث من جديد، كأن الدنيا ستظل تسير بالوتيرة نفسها، وكأن الناس استثناء أمام التحولات التي نرّ بها كما مرّ آخرون.
الجوهر هو المهم؛ فإجراء أي انتخابات أمر طبيعيّ، غير الطبيعيّ ألا تجرى، لأنه ببساطة يتم فيها توكيل هيئات منتخبة لتنوب عن الجمهور أكان جمهور المجالس المحلية، أم الجمهور العام، الشعب تحديدا.
الجوهر هو الناس-الشعب، والجوهر الاستمرار الدوريّ في إجراء أية انتخابات، حتى ولو كانت طلابية في الجامعات أو المدارس من خلال ما يعرف بالبرلمان الطلابيّ.
منذ التسعينيات، خفّ الخوف على التمثيل السياسيّ لشعبنا، فتأسيس الكيانية الفلسطينية عام 1994، قد حسم حق تقرير مصير شعبنا بنفسه، والأمر كما نرى مختلف اليوم، فليس هناك مثل ذلك الخوف القديم، وعليه فإن أي وطني فلسطيني يمكن أن يكون ممثلا للجمهور في المجالس المحلية، كذلك الحال بالنسبة للبرلمان؛ فلا أفسّر الأمور، ومثلي آخرون، بهذا التسرّع في الحكم، وحتى لو توافق الجمهور على قائمة معينة، أو جرى التنافس بين قوائم معينة، فإن المهمّ والأهمّ هو استمرار الانتخابات، واستمرار البقاء الوطني، واستمرار الكيانية السياسية الفلسطينية.
ولنا بعد الانتخابات المحلية، انتخابات حركية، تتلوها انتخابات برلمانية، وانتخابات المجلس الوطني والانتخابات الرئاسية، تقتضي المسؤولية في إجرائها، بأن يتمّ ضمان إنجازها من خلال أسقف الوحدة الوطنية، التي تضمن وجود الفصائل والأحزاب كمكوّن داخل منظمة التحرير، البيت الفلسطيني الجامع.
وهكذا فإن الجوهر هو شعبنا وأرضنا، المكونان الرئيسيان للوطن والدولة؛ فكما انتصر ناخبو المدن والبلدات عام 1976 لخلاصهم العام، بالتأكيد على الهوية الفلسطينية، سينتصر ناخبو فلسطين عبر الانتخابات لأنفسهم وأرضهم، فليس عندنا شكوك بفلسطينيتنا ولا في عروبتنا، والطريق مفتوحة لمن يؤمن بالكيانية الفلسطينية، لا بالخلاص الأمميّ، ولا بالتحالف مع هذا وذاك.
فلسطين أولا، والفلسطينيون شعبنا أولا، ولن نستطيع البقاء فعلا بقوة إن بقي هناك ما يشرذمنا، فلنترك الشرذمة والتفرّق لصالح المنطلقات الضيقة، ولنلتف حول جمعنا، فأي استهداف خلاص هنا شخصي وفئويّ لن يتحقق فعلا إلا داخل خلاصنا العام.
في السبعينيات، والثمانينيات، وصولا للانتفاضة الأولى، شهدنا مرجعية وطنية شجاعة، عبر لجنة التوجيه الوطني، ثم عبر القيادة الوطنية الموحدة، وهي لم تستقطبنا جميعا إلا لأنها عبّرت عنا؛ فليس الأمر خارقا، هي فقط سنن الحياة، واختيارات الشعوب في طريقها الى التحرر.
إذن، فما يقرّبنا من التحرر الوطني معروف، وما يبعدنا أو يشتتنا عنه معروف أيضا، فليس لنا إلا الإصغاء الى عقولنا وقلوبنا، فمصالحنا جميعا يمكن أن تلتقي في الحرص على المصلحة الوطنية العليا، وفيها فعلا يتم “العقد السياسيّ، الضامن لحقوق المواطنين وواجباتهم.
والآن؟
فرصة لتطوير العمل في خدمة المواطنين، من خلال المجالس البلدية والقروية، فلنا ما نفعله ونبدعه في تقديم المناسب والأفضل لشعبنا، لأن ذلك من جهة حقّ له، وواجب علينا فعله، وهو يقويّ بقاء شعبنا من جهة أخرى.
فكل كلمة تقال هي مسؤولية، ويمكن أن تؤثّر إيجابا، ويمكن أن تؤثّر سلبا، ومن درجات النضج التحلي بالمسؤولية، والبناء على ما أنجز، لأن ذلك يصب في مستقبل أبناءنا وبناتنا الذين نحبّ. ودوما سنقوى بالروح الوطنية الإيجابية التي تمنحنا الأمل وطاقة الفعل البناء معا.





