تزايد المخاوف من ظاهرة “تعفّن الدماغ” بسبب الإفراط في استخدام الهواتف الذكية

مسقط في 12 مايو 2026 /العُمانية/ تتزايد التحذيرات عالميًّا من ظاهرة تُعرف بـ”تعفّن الدماغ” (Brain Rot)، في ظل الارتفاع المستمر في معدلات استخدام الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، وما يرتبط بذلك من تأثيرات محتملة على القدرات الذهنية والسلوكية، خصوصًا لدى فئة الشباب.
وتشير دراسات عالمية إلى أن هذا المصطلح لا يُستخدم بوصفه تشخيصًا طبيًّا رسميًّا، بل يُعبّر عن حالة من التراجع المعرفي الناتج عن الاستهلاك المفرط للمحتوى الرقمي السريع والمتقطع، مثل مقاطع الفيديو القصيرة على منصات “تيك توك” و”ريلز”، والتي قد تؤدي إلى ضعف التركيز وصعوبة الانخراط في الأنشطة التي تحتاج إلى انتباه طويل، كالقراءة والدراسة.

وقالت الدكتورة تماضر بنت سعيد المحروقية، طبيبة في الطب السلوكي والصحة النفسية بمستشفى جامعة السلطان قابوس، إن ظاهرة “تعفّن الدماغ” تُعد أقرب إلى وصف ثقافي يعكس الانشغال المفرط بالمحتوى الرقمي السطحي، وما يصاحبه من تراجع في بعض المهارات الإدراكية مثل الانتباه والتركيز والتحمل المعرفي.
وأضافت أن دار النشر التابعة لجامعة أكسفورد اختارت مصطلح “Brain Rot” كلمةً لعام 2024، تعبيرًا عن القلق المتزايد من الإفراط في استهلاك المحتوى منخفض القيمة.
وأوضحت أن الاعتياد على التنقل السريع بين المقاطع والمحفزات الرقمية قد يضعف قدرة الدماغ على التركيز العميق والتحليل وربط المعلومات، مشيرةً إلى أن المشكلة لا تكمن في مشاهدة المحتوى القصير بحد ذاته، وإنما في تحوله إلى المصدر الرئيسي لاستهلاك المعرفة، بما قد يؤثر في الإبداع والتفكير التحليلي وحل المشكلات.
وبيّنت أن هرمون “الدوبامين” يؤدي دورًا أساسيًّا في تعزيز هذا السلوك، إذ تعتمد المنصات الرقمية على تقديم مكافآت متغيرة وغير متوقعة، مثل الإشعارات والإعجابات والمقاطع الجذابة، ما يجعل المستخدم في حالة بحث مستمر عن التحفيز السريع ويضعف قدرته على تحمّل الملل.
كما أشارت إلى وجود ارتباطات محتملة بين الإفراط في استهلاك المحتوى السريع وبين زيادة التشتت والقلق واضطرابات النوم والخوف من فوات الأحداث، إضافة إلى ضعف التحكم بالانتباه والتسويف الأكاديمي، وهي عوامل قد تؤثر سلبًا على الصحة النفسية والأداء الاجتماعي.
وأكدت أن المشكلة لا تعني فقدان الذاكرة، وإنما تتعلق بضعف ترسيخ المعلومات في الذاكرة طويلة الأمد نتيجة الاستهلاك السريع والمشتت للمحتوى، ما يقلل من عمق الفهم وجودة المعالجة الذهنية.
من جانبه، قال الدكتور معمر بن علي التوبي، الأكاديمي والباحث العُماني، إن مصطلح “التعفّن الدماغي” برز نتيجة الإدمان على المنصات الرقمية والألعاب الإلكترونية، إضافة إلى الاستخدام غير المتوازن لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، ما يؤدي إلى حالة من الخمول أو التبلّد الذهني بسبب الاعتياد على التحفيز السريع والمتكرر.
وأوضح أن التأثير يكون أكبر لدى الأطفال، إذ قد ينعكس الاستخدام المفرط للتقنيات الرقمية على بعض المهارات الأساسية مثل التركيز والذاكرة العاملة والقدرة على التحليل، مؤكدًا أن هذه التأثيرات قد تمتد أيضًا إلى الشباب والكبار على المدى الطويل.
وأشار إلى أهمية ما يُعرف بـ”الصيام الرقمي”، من خلال الابتعاد المنظم عن المنصات الرقمية لفترات محددة، والانخراط في أنشطة بديلة مثل الرياضة والقراءة والكتابة والهوايات الإبداعية، بما يسهم في استعادة التوازن الذهني وتنشيط القدرات المعرفية.
وأضاف أن تقليل استخدام الهاتف إلى الحد الأدنى، وتخصيص أوقات محددة للرد على الرسائل والاتصالات، يساعد في الحد من الاستهلاك الرقمي المفرط وتحقيق انقطاع واعٍ عن المحتوى المتواصل.
بدورها، قالت إيمان بنت عبد الله الكيومية، أخصائية الإرشاد والتوجيه بجامعة السلطان قابوس، إن “تعفّن الدماغ” لا يُعد مرضًا عضويًّا، بل حالة سلوكية معرفية تعبّر عن الركود الذهني الناتج عن غياب التفكير العميق والتحليل المنطقي.
وأكدت أن المحتوى القصير والسريع يشكّل تحديًا حقيقيًّا أمام الأجيال الجديدة إذا أصبح النمط السائد لاستهلاك المعرفة، مشيرةً إلى أن الجلسات الإرشادية ترصد تراجعًا ملحوظًا في قدرة الطلبة على التركيز لفترات طويلة مقارنة بالسابق.
وأوضحت أن الفارق بين الاستخدام الواعي للتقنية والإدمان الرقمي يتمثل في قدرة الفرد على التحكم في الوقت ونوعية المحتوى، بينما يتحول الاستخدام المفرط إلى سلوك قهري يؤثر على جودة الحياة والأداء الدراسي والمهني.
وشددت على أن الحل لا يكمن في المنع الكامل، بل في التنظيم الواعي وتحقيق التوازن بين الحياة الرقمية والأنشطة الذهنية والاجتماعية الأخرى، بما يضمن تنمية جيل قادر على التفكير والإبداع بصورة صحية ومستدامة.
وتولي الجهات المختصة في سلطنة عُمان اهتمامًا متزايدًا بقضايا الإدمان الرقمي، من خلال تعزيز الوعي بالاستخدام الآمن للتقنيات الحديثة، ودعم دور الأسرة والمؤسسات التعليمية في حماية الناشئة من الآثار السلبية لوسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب دراسة الظواهر النفسية المرتبطة بها مثل العزلة والقلق والاكتئاب، ضمن جهود متكاملة تجمع بين التوعية والوقاية والدعم المجتمعي.





