قول شريف.. ذاكرة الإسلام وروح التعايش في تتارستان

كازان – الواحة
من حمود بن علي الطوقي
في قلب مدينة كازان، عاصمة جمهورية تتارستان الروسية، يقف مسجد قول شريف شامخًا كأحد أبرز المعالم الإسلامية في روسيا وأوروبا الشرقية، جامعًا بين روعة العمارة الإسلامية وعمق التاريخ التتري، في مشهد يعكس روح التعايش الحضاري والديني الذي تتميز به هذه المدينة العريقة.

وخلال زيارتي إلى مدينة كازان ضمن وفد غرفة تجارة وصناعة عُمان المشارك في أعمال منتدى كازان الدولي لمنتجات الحلال، كان لابد لي من زيارة هذا المسجد والصلاة فيه، فالمكان لا يشبه مجرد معلم سياحي أو مبنى ديني، بل يحمل روحًا إيمانية عميقة تختزل ذاكرة الإسلام في هذه المنطقة، وتروي حكاية شعب حافظ على هويته وثقافته عبر القرون.

ويقع المسجد داخل مجمع كريملين كازان المدرج ضمن قائمة التراث العالمي، وقد أُعيد بناؤه وافتتاحه رسميًا عام 2005م بعد أن دُمّر المسجد التاريخي القديم في القرن السادس عشر أثناء حصار كازان. ويحمل المسجد اسم الإمام والعالم التتري “قول شريف” الذي استشهد مدافعًا عن المدينة.

ويتميز المسجد بتصميم معماري فريد يمزج بين الطراز الإسلامي والتتري، حيث ترتفع مآذنه البيضاء والزرقاء في لوحة معمارية تخطف أنظار الزوار، فيما تتزين قاعاته الداخلية بالزخارف الإسلامية والثريات الضخمة والآيات القرآنية التي تعكس جمال الفن الإسلامي في تتارستان.

وما يلفت الانتباه أن المسجد يقع بجوار الكنائس الأرثوذكسية داخل مجمع الكرملين، في صورة تجسد التعايش الديني والثقافي بين المسلمين والمسيحيين في المجتمع التتاري، حيث تعانق المآذن القباب والكنائس في مشهد حضاري يعكس قيم الاحترام والانفتاح والتسامح بين مختلف الأديان والثقافات.

وتشير الإحصاءات إلى أن المسلمين يشكلون أكثر من نصف سكان جمهورية تتارستان، فيما يشكل أتباع الكنيسة الأرثوذكسية الروسية النسبة الأكبر من بقية السكان، الأمر الذي منح المدينة طابعًا إنسانيًا وثقافيًا فريدًا، وجعلها نموذجًا عالميًا للتعايش بين الحضارات.
ولا تقتصر جاذبية كازان على مسجد قول شريف فقط، بل تضم المدينة عددًا من المعالم السياحية والتاريخية البارزة، من بينها شارع باومان الذي يُعد القلب النابض للمدينة بما يضمه من مقاهٍ وأسواق وعروض فنية مفتوحة، إضافة إلى برج سويمبيكا التاريخي الذي يُعد أحد رموز كازان، وقصر المزارعين المعروف بتصميمه المعماري المميز، إلى جانب معبد جميع الأديان الذي يجسد فكرة التقارب بين الأديان والثقافات المختلفة.

كما تتميز المدينة بإطلالتها الساحرة على نهر الفولغا، واحتضانها للعديد من المتاحف والمراكز الثقافية والحدائق الحديثة، ما جعلها واحدة من أبرز الوجهات السياحية والثقافية في روسيا.
وقد شعرت وأنا أتجول بين أروقة مسجد قول شريف وشوارع كازان القديمة بأن هذه المدينة لا تقدم نفسها كوجهة سياحية فحسب، بل كرسالة حضارية تؤكد أن التعايش بين الأديان والثقافات يمكن أن يصنع نموذجًا إنسانيًا ملهمًا للعالم، وأن الحضارة الحقيقية تُبنى بالاحترام والانفتاح والمحبة بين الشعوب.





