من أنا؟سؤال طفل من غزة إلى العالم

يكتبه:
سُلطان بن خلفان اليحيائي

لو لم يكن لطفل غزة إلا هذا البيت ليختصر معاناته لكفاه:

أَنا طِفلٌ وَعُمري أَلفُ عامٍ
وَلِيدُ غَدِي وَأَسكُنُ في صَبايا

كان يُفترض أن أُعرِّفَ نفسي بأشياء صغيرة تشبه الأطفال في كل مكان: أن أُحِبَّ مدرستي وأن ألعبَ مع زملائي وأن أعودَ إلى البيت فأجدَ أُمّي وأبي وأن أتشاجرَ مع أخي على لعبة ثم نتصالحَ ونأكلَ الحلوى من صُنع أُمّي.

لكن أثقال طفولتي لم تكن في حقيبة مدرسية بل كانت في قلب صغير. ولم يكن خوفي من واجب نسيته أو عتاب من أبي بل من أشياء أكبر من عُمري.
كان يُفترض أن يكون للمدرسة جرس أترقّبه وللبيت دفء أعود إليه وللغد موعد أنتظره.

وفي تلك الطفولة التي أحاطتها المحن كان القرآن رفيق أيّامي وملاذ قلبي. حفظت كتاب الله في صدري وتعلّقت بديني منذ الصغر فكان لي منه نور أستمد منه الصبر والثبات. ولهذا أبدو أكبر من عمري؛ فقد دفعتني قسوة الحياة إلى النُّضج قبل أوانه وحمّلتني همومًا لا ينبغي أن يحملها قلب طفل.

كانت الحرب حاضرة في طفولتي قبل أن تقتحم تفاصيلها. كنت أعرف الخوف من أصوات لا تشبه أصوات الأطفال وأعرف أن الليل قد يحمل معه ما لا أعرف كيف أواجهه وأن البيت الذي أعود إليه قد لا يبقى كما هو.

لكن الحرب حين اشتدّت لم تعد شيئًا أسمعه من بعيد بل صارت تدخل في تفاصيل يومي وتعيد تعريف الأشياء كلّها. ومع خفافيش الليل التي صارت تجاورني قسرًا لم يعد الليل وقتًا للنوم ولا السماء دائمًا موضعًا للنجوم ولا البيت وعدًا بالعودة ولا المدرسة مكانًا للتعلُّم. حتى كلمة “غدًا” فقدت معناها.

كنت أنتظر الغد مثل بقيّة الأطفال ثم أصبحت أتساءل:
هل سيأتي؟

نحن أطفال غزة نتعلّم الصمود قبل أن نتعلّم كثيرًا من تفاصيل الحياة. نتعلّم أن بعض الوجوه قد تغيب فجأة وأن أماكن كانت مملوءة بالضحك قد تتحوّل إلى ذاكرة وأن الأم قد تبتسم لأطفالها بينما يسكن الوجع في أعماقها.

ومن بين الركام خرج سؤال أكبر من طفولتي:
هل أنا طفل مثل بقيّة الأطفال؟ وهل تتغيّر قيمة الحياة بتغيّر المكان الذي يولد فيه الإنسان؟

أنا لا أعرف كثيرًا عن السياسة ولا خرائط النفوذ ولا لغة المصالح والبيانات. أعرف شيئًا أقوى من كل ذلك.
عندما أسمع انفجارًا أبحث عن أُمّي وعندما أرى حريقًا أبحث عن أبي.

من أنا؟

لست رقمًا في قائمة ولا صورة عابرة على شاشة ولا خبرًا حزينًا ينتهي بانتهاء النشرة.

أنا طفل له اسم وأبوان وبيت ومدرسة كنت أذهب إليها وأصدقاء كنت أضحك معهم وأحلام كباقي الأطفال كان يُفترض أن تكبر معي.
لكن الحرب أعطتني عُمرًا أكبر من عُمري. رأيت ما لا ينبغي لعين طفل أن تراه ومع ذلك ما زلت طفلًا.

خرجت من تحت ركام بيتنا أحمل الركام في قلبي. فقدت عائلتي لكنني لم أفقد الأمل.
فإذا أخذت الحرب مني بيتي فلا ينبغي أن تأخذ مني قلبي وإذا أخذت مني طفولتي فلا ينبغي أن تأخذ مني مستقبلي.

العالم يرى الركام وأنا أرى ما يجب أن يأتي بعد الركام.
العالم يعدّ الضحايا وأنا أعدّ الأيام التي أريد أن أعيشها بكرامة
العالم يتحدّث عن الحرب وأنا أتحدّث عن أرض أريد أن أبقى عليها وعن غد أريد أن أعيشه حُرًّا.

لذلك لا تختصروا غزة في صورة أو رقم. خلف كل رقم إنسان وخلف كل إنسان حكاية وخلف كل حكاية حلم لم يأخذ فرصته.

أما السؤال الذي سيبقى معلّقًا فهو:

من أنتم؟
من أنتم حين يقف أمامكم طفل لا يريد أكثر من أن يعيش؟
من أنتم حين يصبح حقّه في الحياة موضوعًا للتفاوض؟

من أنتم حين تسمعون صوته ثم تمضون إلى حياتكم وكأن شيئًا لم يكن؟

يا أنتم لست أنا من يحتاج إلى الإجابة.
لقد أجبت

أما أنتم..
فأنتم من تقهقر عن نُصرتنا
إن كانت الإنسانية مبدأ فلا ينبغي أن تكون انتقائية. وإن كانت الطفولة بريئة في كل مكان فلا يجوز أن تصبح براءتها موضعًا للنقاش عندما يكون الطفل في غزة.

ونحن أطفال غزة لا نريد دمعة عابرة ولا دقيقة صمت. إننا ننتظر موقفًا يليق بكل الكلمات التي قيلت عن العدالة والحرية والإنسانية.

ننتظر يدًا ممدودة بالعطاء.

لقد استنصرناكم ونستنصركم اليوم فعسى أن يصلنا منكم صدى.
ومن عجز عن الوصول إلى غزة ببدنه فليصل إليها بما يستطيع من ماله ودعائه وموقفه وكلمته.

وأذكّركم بما قاله قبل استشهاده:

“نحن خصومكم أمام الله يوم القيامة٠”

يا طفل غزة
لقد وضعت السؤال أمامنا وتركت لنا أن نجيب.
قلت ما عجزنا عن قوله وثبتَّ حيث تراجعنا وصبرتَ حيث اكتفينا بالكلمات.

أنتم في غزة أطفال في أعماركم لكنكم علّمتمونا أن الطفولة قد تسكن الأجساد الصغيرة وأن العزيمة قد تسكن قلوبًا أكبر من أعمارها.

والجواب ليس كلمات تُقال ولا حزنًا عاديًا وإنما موقف يُترجم إلى عمل وعطاء.

واليوم لا يكفي أن نحزن.
فالحزن وحده لا يغيّر واقعًا ولا يُطعِم جائعًا ولا يُداوي جريحًا ولا يُعيد لطفل غزة شيئًا من طفولته.

السؤال الذي ينبغي أن نحمله نحن هو:
ماذا قدّمنا لأهل غزة؟
هل جعلنا من إيماننا بالحق موقفًا؟ ومن قدرتنا على العطاء عونًا؟ وهل قدّم كل واحد منا ما يستطيع دون أن ينتظر من غيره أن يبدأ؟

هناك حيث تُكشَف السرائر وتُعرَض الأعمال لن تنفعنا كثرة الشعارات والكلمات بل ما قدّمناه لله.

﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ۝ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾

مجلة “الواحة العُمانية” تُصدر عددًا خاصًا بمناسبة الذكرى السادسة لتولي جلالة السلطان هيثم بن طارق مقاليد الحكم
زر الذهاب إلى الأعلى