الخانات العثمانية… معالمٌ تجارية حملت روح الحضارة وذاكرة المكان

إسطنبول في 16 فبراير 2026 /العُمانية/ ما تزال الخانات العثمانية قائمة كشاهد حيّ على مرحلة تاريخية كانت فيها طرق التجارة شرايين نابضة تربط الشرق بالغرب، وتشكل فضاءً لتلاقي الثقافات وتبادل المنافع.
فالخـان، الذي عُرف تاريخيًّا كمحطة لاستراحة القوافل والتجار، لم يكن مجرد مكان للمبيت أو تخزين السلع، بل مثل مركزًا حضاريًّا متكاملًا، احتضن بين جدرانه الحجرية وساحاته الرحبة حراكًا اقتصاديًّا وثقافيًّا متنوعًا، حيث التقت لغات وتجارب وأساليب عيش مختلفة، وأسهمت في تشكيل مجتمع تجاري متعدد المشارب.
وفي مدن مثل إسطنبول وبورصة وغازي عنتاب، أدت الخانات دورًا محوريًّا في تنشيط الأسواق، إذ كانت تتوسط المراكز التجارية الكبرى، وتضم الحرفيين وصناع السجاد والخزف والنحاس، كما ساعدت في نقل المهارات والخبرات من جيل إلى آخر ضمن إطار نظام الوقف العثماني الذي ربط النشاط الاقتصادي بالخدمة المجتمعية.

ولم يقتصر حضورها على الجانب التجاري، بل غدت فضاءات اجتماعية نابضة؛ ففي ساحاتها كانت تُعقد الصفقات، وتتداول الأخبار، وتُروى حكايات الأسفار وتجارب العابرين. ويقول المؤرخ التركي إسماعيل ياغجي في تصريح لوكالة الأنباء العُمانية إن الخان كان مأوى للتاجر والمسافر، لكنه في جوهره كان مساحة للتفاعل بين شعوب وأعراق متعددة، وجسرًا حضاريًّا يصل بين الشرق والغرب عبر طرق التجارة التاريخية.
وأضاف أن الخانات مثلت مؤسسات اقتصادية واجتماعية وثقافية في آنٍ واحد، حيث أسهم ارتباطها بنظام الوقف في دعم المدارس والمساجد والخدمات العامة، ما جعلها جزءًا من منظومة حضارية متكاملة يتداخل فيها الاقتصاد مع البعد الإنساني.
واليوم، وبعد أعمال ترميم واسعة، استعادت العديد من هذه الخانات حضورها، وإن بأدوار جديدة؛ فبعضها تحول إلى مراكز ثقافية وصالات عرض فني، فيما أصبح بعضها الآخر مقاهي وأسواقًا تراثية تستقطب الزوار من مختلف أنحاء العالم، لتظل أكثر من مبانٍ تاريخية، بل ذاكرة حجر تختزن قصة حضارة جمعت بين التجارة والثقافة، وبين النشاط الاقتصادي وروح الإنسان.





