المصور سالم الراشدي: الصورة المؤثرة تصنع وعياً بصرياً وتبني جسور التعاطف بين الشعوب

مسقط في فبراير 2026 /العُمانية/ أكد المصور الفوتوغرافي العُماني سالم بن محمد الراشدي أن الصورة الفوتوغرافية تمثل مساحة تلتقي فيها وظيفتا التوثيق والرؤية الفنية في علاقة تكاملية تمنح العمل عمقه الإنساني والجمالي، موضحًا أن التوثيق لا يقتصر على نقل الواقع كما هو، بل يشكل نقطة انطلاق لبناء خطاب بصري يحمل دلالات ومعاني تتجاوز اللحظة.

وقال في تصريح لوكالة الأنباء العُمانية إن الصورة الناجحة لا تكتفي بتسجيل الحدث، بل تعيد صياغة الواقع وفق رؤية المصور وزاوية نظره وتوظيفه للضوء والتكوين، بما يحولها من وثيقة بصرية صامتة إلى رسالة ثقافية وإنسانية قادرة على إثارة التساؤلات ونقل القضايا وحفظ الذاكرة الجمعية.

وأشار إلى أن دور الصورة اليوم تجاوز مفهوم “التقاط اللحظة” الذي تؤديه الأجهزة الذكية بكثافة، ليصل إلى التأثير الثقافي العميق، مؤكدًا أن التحدي لم يعد في إنتاج الصورة بل في قدرتها على التميز والبقاء في الذاكرة، وهو ما يتحقق من خلال بناء لغة بصرية واضحة تنطلق من وعي المصور بخياراته الجمالية والفكرية.

واستعرض الراشدي أبرز إنجازاته الدولية، حيث حصل على أربع ميداليات ذهبية من الاتحاد الدولي لفن التصوير الضوئي (FIAP)، وثلاث ميداليات ذهبية من الجمعية الأمريكية للتصوير الضوئي (PSA) في مسابقات أُقيمت في الجبل الأسود، إضافة إلى ميداليات ذهبية في ألبانيا والهند واليونان، إلى جانب جوائز من إيطاليا والبوسنة والهرسك والولايات المتحدة الأمريكية.

وعلى الصعيد المحلي، أشار إلى فوزه بالميدالية البرونزية في مسابقة “محور المربع” التي نظمتها الجمعية العُمانية للفنون، معتبرًا أن الجوائز تمثل حافزًا معنويًّا ومعرفيًّا يسهم في تعزيز الثقة ومواصلة تطوير التجربة الفنية.

وأوضح أن بناء أسلوب بصري متماسك يشبه إلى حد كبير بناء اللغة المكتوبة، إذ يعتمد على مفردات متكررة تُشكّل هوية خاصة للمصور، مشددًا على أهمية الاتساق في الرؤية، وحسن اختيار الموضوعات، والتوازن في التكوين، وتوظيف الضوء واللون لخدمة الفكرة بعيدًا عن الزحام البصري أو المبالغة التقنية.

وحدد خمسة عناصر تمنح الصورة قيمة فنية مستدامة، تتمثل في: الضوء بوصفه أداة تعبيرية، والتكوين المتوازن، واللحظة الإنسانية الصادقة، والسياق الثقافي المرتبط بذاكرة المكان، إلى جانب البساطة والصدق في المعالجة.

وبيّن أن البيئة العُمانية تشكل مصدرًا أساسيًّا لإلهامه البصري، بما تحمله من تنوع طبيعي وثقافي، من الجبال والبحر والصحراء إلى القرى القديمة والعمران التقليدي، حيث تتحول هذه العناصر إلى مفردات تشكيلية تمنح الصورة خصوصيتها المحلية وتعكس عمق الهوية الوطنية.

وأشار إلى أن توثيق الوجوه والأمكنة لديه لا يقتصر على الشكل الخارجي، بل يسعى إلى إبراز الحكاية الإنسانية الكامنة خلف التفاصيل، من خلال التركيز على تعابير الوجه وآثار الزمن والعلاقة التبادلية بين الإنسان والمكان، بما يحول الصورة إلى مساحة حوار بين الماضي والحاضر.

وفي سياق تصوير الثقافات، أكد الراشدي أن الصورة تمثل فعل معرفة واحترام قبل أن تكون ممارسة بصرية، مشيرًا إلى حرصه على تجنب الطابع الفولكلوري أو السياحي السطحي، والتركيز بدلًا من ذلك على القواسم الإنسانية المشتركة التي تعزز الفهم المتبادل وتحفظ كرامة الإنسان.

كما شدد على أهمية المسابقات والجوائز بوصفها محطات لتقييم التجربة الفنية وفق معايير مهنية عالمية، تسهم في تطوير الأدوات وصقل الرؤية، مؤكدًا أن المصور ليس ناقلًا للواقع فحسب، بل صانع رؤية يسهم في تشكيل الوعي البصري للمجتمع.

واختتم الراشدي حديثه بالتأكيد على أن الصورة الواعية تعد جسرًا للحوار والمعرفة، خاصة في مجال توثيق التراث وإبراز الهوية العُمانية، مشددًا على ضرورة بناء لغة بصرية صادقة قادرة على التأثير والاستمرار في ظل التحولات المتسارعة وكثافة المشهد البصري المعاصر.

مجلة “الواحة العُمانية” تُصدر عددًا خاصًا بمناسبة الذكرى السادسة لتولي جلالة السلطان هيثم بن طارق مقاليد الحكم
زر الذهاب إلى الأعلى