حادثة اليوم في مسقط، الموالح حفظ النفس مقدم على انتظام الصفوف

 
خالد الكندي

قبل قليل فرغنا من صلاة الجمعة في أحد جوامع مسقط منطقة الموالح ولم تكن هذه الجمعة كسابقاتها فقد شهدت حادثة مؤلمة ومقلقة في آن واحد، إذ سقط أحدهم مغشياً عليه أثناء خطبة الجمعة، فتداعى بعض المتطوعين -جزاهم الله كل خير- إلى محاولة إسعافه، غير أن محاولاتهم كانت اجتهادات شخصية غير مبنية على وعي طبي كاف، ولأنهم كانوا على علم بهذا القصور فقد أشاروا إلى الخطيب بإيقاف الخطبة لحظات يسيرة ليطلب من  المصلين إن كان من بينهم طبيباً يتدخل لإنقاذ الرجل، إلا أن الخطيب تجاهل نداءات الأخوة وواصل الخطبة دون توقف.

كان الخطيب صبيا صغير السن وحديث عهد بالإمامة والخطابة، ويبدو أنه تدرب على الإلقاء والخطابة وحفظ النصوص ولا دراية له بكيفية أو ماهية الإجراء المناسب في التعامل مع الحالات الطارئة، ورغم محاولات الناس لإيقافه إلا أن أحداً لم يتمكن من إقناعه بالتوقف.. وما أن فرغ من الخطبة وسكت لبرهة قصيرة حتى سارع البعض إلى اختراق ذلك السكوت اللحظي لينادي في المصلين إن كان بينهم طبيبا، وقد تبين وجود طبيب بالفعل فهرع إلى الأمر بروح المسؤولية وباشر عمله رغم أن الوقت كان قد تأخر بعض الشيء، والأدهى أن الإمام الصبي أصر على الشروع مباشرة في الصلاة رغم مطالبة الناس له بالتريث قليلاً لكن كل ذلك لم يجد معه نفعاً. مما خلق إرباكا في المسجد بين رغبة الناس في الدخول في الصلاة وبين رغبتهم في إنقاذ نفس إنسانية.

هذه الواقعة — وإن كانت في ظاهرها حادثة عابرة — تكشف عن قضية أعمق تتعلق بفهم مقاصد الشريعة، وبطبيعة التدريب الذي يُقدَّم للأئمة والخطباء، خصوصًا من فئة الشباب أو من هم في بدايات تجربتهم في الإمامة.

إن الإسلام لم يأتِ بمجرد طقوسٍ شكلية تؤدى بمعزل عن مقاصدها، بل جاء بمنظومةٍ متكاملةٍ من المقاصد العظمى التي تقوم عليها الشريعة. وقد اتفق العلماء على أن من أعظم هذه المقاصد حفظ النفس: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ كذلك ما تقرر لدى الفقهاء من أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.

إن الإمامة والخطابة ليستا مجرد مهارة صوتية أو قدرة على الإلقاء، بل هما مسؤولية شرعية واجتماعية. والإمام في المسجد ليس قارئًا للنصوص فحسب، بل هو قائدٌ للحظةٍ جماعيةٍ يلتقي فيها الناس على العبادة، وقد تطرأ فيها ظروف تحتاج إلى حكمةٍ وتقديرٍ للموقف.

وإني أوجه ندائي إلى وزارة الأوقاف والشؤون الدينية باعتبارها الجهة المختصة بضرورة أخذ هذه الحادثة في الاعتبار وأن يتجاوز تدريب الأئمة وتعليمهم أحكام الخطبة والإمامة إلى اعتبارات أخرى هامة منها فهم المقاصد الإسلامية الكبرى وإدراك المعاني السامية لروح الشريعة والفقه الواقعي للصلاة، والتدرب على الكفاءة التواصلية ومهارات القيادة في الطواريء.

وعلى وكلاء المساجد أن يعلموا أن المساجد ليست مجرد أماكن لأداء الصلاة، بل هي مؤسسات اجتماعية وروحية، والإمام فيها يمثل مرجعية دينية وسلوكية للمجتمع، وبذلك فإن مسؤولية قانونية وشرعية واجتماعية تقع عليهم في إدارة ذلك كله وضمانه على النحو الذي يحقق مقاصد الدين، وأن يراعوا في اختيار الأئمة مستويات الوعي ونضج الشعور بالمسؤولية خاصة لمن يكلفون بذلك في سن مبكرة.

مجلة “الواحة العُمانية” تُصدر عددًا خاصًا بمناسبة الذكرى السادسة لتولي جلالة السلطان هيثم بن طارق مقاليد الحكم
زر الذهاب إلى الأعلى