الدراما الرمضانية.. فضاء ثقافي واجتماعي يسهم في تشكيل الوعي الأسري والمجتمعي

مسقط في 16 مارس 2026 /العُمانية/ تحظى الدراما الرمضانية في العالم العربي بمتابعة واسعة، إذ تمثل مساحة ثقافية واجتماعية تتقاطع فيها قضايا المجتمع مع النقاشات الأسرية والوعي العام. وتؤدي هذه الأعمال دورًا مهمًّا في إعادة طرح القضايا المجتمعية في ظل تزايد التفاعل معها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فيما تظل العلاقة بين حرية الإبداع والالتزام بالقيم المجتمعية عنصرًا أساسيًّا يحدد حدود الطرح الفني وقدرته على تحقيق التوازن بين تناول القضايا المختلفة ومراعاة الخصوصية الثقافية للمجتمعات العربية.

ويقول مالك بن ناصر الغافري، المتخصص في علم الاجتماع، إن الدراما الرمضانية في المجتمعات العربية تُعد موسمًا اجتماعيًّا بامتياز، وليست مجرد أعمال فنية للترفيه، بل تمثل أداة مؤثرة في التنشئة الاجتماعية وإعادة تشكيل الوعي الجمعي والقيم والسلوكيات. ويضيف أن الدراما تعكس الواقع من جهة، وتؤدي دورًا توجيهيًّا من جهة أخرى؛ فعندما تعرض الأعمال الدرامية نماذج محددة من العلاقات الاجتماعية مثل استقلالية الأبناء أو طبيعة دور المرأة، فإن تكرار هذه النماذج يوميًّا على مدى فترة زمنية قد يجعلها أكثر تقبّلًا لدى المجتمع.

وأشار إلى أن الدراما الرمضانية تسهم في إعادة تعريف الأدوار داخل الأسرة، فقد تساعد أحيانًا على تقليل الفجوة بين الأجيال، أو قد تعزز بعض أشكال الصراع بينها، كما تسهم في تشكيل القدوة لدى المشاهدين، خصوصًا المراهقين الذين يميلون إلى تقليد الشخصيات المؤثرة أو الكاريزمية، وفقًا لنظرية التعلم الاجتماعي.

وبيّن أن الدراما الرمضانية تخلق مساحة للحوار داخل الأسرة، خاصة أن شهر رمضان يشهد تجمع أفراد العائلة أمام شاشة واحدة، ما يكوّن ما يمكن تسميته بـ”الفضاء الأسري المشترك”. فعندما تُطرح قضية معينة في أحد المسلسلات، تصبح محور نقاش بين أفراد الأسرة، ومن خلال هذا النقاش تُبنى القيم ويُعاد تفسيرها، إذ يقوم الآباء بتوجيه رسائلهم الأخلاقية عبر تأييد أو نقد تصرفات الشخصيات الدرامية.

ولفت الغافري إلى أن الدراما قد تطرح تحديات اجتماعية معاصرة، من بينها إبراز أنماط استهلاكية مبالغ فيها قد تولد شعورًا بعدم الرضا لدى بعض الأسر، إضافة إلى التركيز المتكرر على موضوعات مثل الخيانة والصراعات الأسرية، الأمر الذي قد يؤثر في طبيعة العلاقات داخل الأسرة. ويرى أن الدراما الرمضانية تمثل في هذا السياق “مختبرًا للقيم”، إذ يمكن أن تسهم في تعزيز تماسك الأسرة من خلال تقديم نماذج إيجابية لحل النزاعات، أو قد تؤدي إلى إضعاف بعض القيم التقليدية إذا غلبت عليها النزعة الاستهلاكية أو المادية.

وحول العلاقة بين حرية الإبداع والالتزام الأخلاقي في الدراما، أوضح أن هذه القضية تُعد من أكثر القضايا حساسية في صناعة الدراما العربية، خاصة عندما يتحول العمل الدرامي إلى أداة تؤثر في تشكيل النقاش المجتمعي. فعندما تتكرر موضوعات مثل العنف الأسري في أكثر من عمل درامي خلال موسم واحد، فإنها تصبح محور حديث المجالس، وهو ما يمثل في الوقت ذاته فرصة للتوعية وخطرًا إذا جرى تضخيمها بهدف الإثارة دون إظهار آثارها السلبية.

وأضاف أن المشاهد اليوم لم يعد متلقيًا سلبيًّا كما كان في الماضي، بل أصبح فاعلًا يعيد تفسير العمل الدرامي وفق رؤيته الخاصة. فبينما كانت الدراما سابقًا تؤدي دورًا مباشرًا في التنشئة الاجتماعية، أصبحت اليوم جزءًا من عملية تفاعلية يتفاوض فيها الجمهور على معاني الرسائل المطروحة.

وأشار إلى أن القوى الإنتاجية في صناعة الدراما قد تسهم أحيانًا في تكريس أنماط ثقافية أو قيم مرتبطة بطبقات اجتماعية معينة، بحيث تبدو وكأنها تمثل القيم العامة للمجتمع. كما أن التحول الرقمي أسهم في توسيع نطاق التفاعل مع الأعمال الدرامية، إذ انتقلت المشاهدة من إطارها الأسري التقليدي إلى فضاءات رقمية أوسع، ما أتاح للجمهور التعبير عن آرائه وتحليل الأعمال عبر التعليقات والوسوم، الأمر الذي يدفع صناع الدراما إلى مراعاة ردود الفعل المجتمعية بشكل أكبر.

من جانبها قالت الدكتورة ريا بنت حمد المعمرية، أستاذ العمل الاجتماعي المساعد في قسم علم الاجتماع والعمل الاجتماعي بجامعة السلطان قابوس، إن الدراما الرمضانية لم تعد مجرد وسيلة ترفيهية، بل أصبحت أحد الفضاءات الثقافية التي تسهم في تشكيل الوعي الاجتماعي وإعادة إنتاج القيم داخل المجتمع، حيث يمتد تأثيرها إلى طريقة فهم الأفراد لقضايا مثل العلاقات الأسرية، ودور الفرد في المجتمع، والتحديات المرتبطة بالشباب والعمل.

وأوضحت أن الدراما الرمضانية في السياق العُماني تحرص غالبًا على تقديم محتوى يعكس جوانب من التاريخ الاجتماعي والثقافي للمجتمع. ومن الأمثلة على ذلك العمل الدرامي “القافر”، الذي يتناول شخصية رجل يمتلك القدرة على سماع خرير الماء تحت باطن الأرض، لتصبح هذه القدرة عنصرًا محوريًّا في حياة المجتمع وعلاقاته وأسرار الحارة. وتسهم مثل هذه الأعمال في إحياء الذاكرة الثقافية وإثارة النقاش داخل الأسرة حول قيم التكافل المجتمعي وأهمية الموارد الطبيعية وكيف تعامل المجتمع العُماني تاريخيًّا مع تحديات البيئة.

وأضافت أن الدراما تقدم نماذج للسلوك الاجتماعي، وأن المشاهد لا يتلقى الرسالة الإعلامية بصورة سلبية، بل يفسرها وفق خبراته وثقافته وسياقه الاجتماعي. كما يمكن قراءة الدراما في ضوء مفهوم الهيمنة الثقافية الذي يشير إلى قدرة وسائل الإعلام على تعزيز بعض التصورات أو الأنماط الثقافية السائدة، مما يجعل الحفاظ على التوازن بين حرية الإبداع والالتزام بالهوية الثقافية والقيم المجتمعية أمرًا ضروريًّا.

وأشارت إلى أن من أبرز التحولات التي شهدتها الدراما في السنوات الأخيرة انتقال المشاهدة من التلفاز التقليدي إلى المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما أوجد ما يعرف في علم الاجتماع بـ”الجمهور التفاعلي”، الذي يشارك في النقاش حول الأعمال الدرامية من خلال التعليقات وإعادة نشر المقاطع وتحليلها.

من جانبها قالت الدكتورة موزة بنت عبدالله الرواحية، أستاذ مساعد في الصحافة والنشر الإلكتروني بقسم الإعلام في جامعة السلطان قابوس، إن الدراما الرمضانية تمتلك تأثيرًا ثقافيًّا يمكن فهمه في إطار نظرية الغرس الثقافي، التي تفترض أن التعرض المتكرر لرسائل إعلامية معينة قد يسهم في تشكيل تصورات الناس عن الواقع أو تعزيز بعض القيم والمعتقدات.

وأضافت أن تأثير الدراما لا يمكن اعتباره مباشرًا أو حتميًّا، لأن الجمهور ليس متلقيًا سلبيًّا، بل يتفاعل مع ما يشاهده ويعيد تفسيره. كما أن تشكيل القيم الاجتماعية يتأثر بعدة عوامل من بينها الأسرة والتعليم والثقافة المجتمعية، ما يجعل الدراما جزءًا من منظومة أوسع من المؤثرات الثقافية.

وأوضحت أن الدراما الرمضانية تمثل عنصرًا أساسيًّا في المشهد الإعلامي والثقافي العربي، غير أن المنافسة الكبيرة بين القنوات الفضائية في الترويج للأعمال عبر وسائل التواصل الاجتماعي قد تؤثر أحيانًا على وضوح رسالتها الإعلامية، إذ قد يدفع السعي إلى تحقيق الانتشار السريع بعض الأعمال إلى المبالغة في الأحداث أو تبسيط القضايا، مما يضعف عمقها الفني والفكري.

وأكدت أن الرسالة الإعلامية للدراما ينبغي أن تجمع بين الترفيه والتثقيف وتعزيز الوعي المجتمعي، مشيرة إلى أن الإفراط في الإنتاج على حساب الجودة قد يؤدي إلى ظهور أعمال سطحية تفتقر إلى القيمة الفنية والفكرية.

وبيّنت أن كثيرًا من الأعمال الدرامية الرمضانية ما تزال تحافظ على مستواها الفني وتقدم رسائل هادفة، بفضل جهود كتّاب سيناريو ومخرجين وممثلين متميزين، إضافة إلى حرصها على طرح قصص تعكس الواقع الاجتماعي وتتناول القضايا المهمة بأسلوب مسؤول وموضوعي.

وأضافت أن جودة الرسالة الإعلامية في الدراما الرمضانية تتأثر بعدة عوامل، من بينها توجهات صناع المحتوى، وضغوط السوق، وتوقعات الجمهور. ورغم التحديات التي تواجه هذا النوع من الأعمال، فإن الدراما الرمضانية ما تزال قادرة على تقديم إنتاجات متميزة تسهم في إثراء المشهد الإعلامي والثقافي في العالم العربي.

مجلة “الواحة العُمانية” تُصدر عددًا خاصًا بمناسبة الذكرى السادسة لتولي جلالة السلطان هيثم بن طارق مقاليد الحكم
زر الذهاب إلى الأعلى