عُمان.. عندما تُستهدف المصداقيّة

سُلطان بن خلفان اليحيائي

ما يُستهدف اليوم ليس أرضًا ولا قرارًا مباشرًا، بل صورةٌ بُنيت على مهل حتى استقرّت. وحين تُمسّ المصداقيّة تبدأ أخطر المعارك؛ لأنها تمسّ الثقة التي تقوم عليها المواقف، وتُعيد ترتيب ما بعدها. وما يُتداول لا يُقرأ كخبرٍ عابر، حيث إن المسألة أعمق. فكرةٌ تُطرح، ثم تُسند بتحليل، ثم تُقدَّم في قالب يبدو مهنيًا. وفي الآونة الأخيرة، برزت مثل هذه الطروحات عبر منصّات متعددة، تُعيد تقديم الموقف العُماني بصيغٍ قابلةٍ للتأويل لا للتوضيح. لا شيء يحدث دفعةً واحدة، بل يتسلّل بهدوء حتى يبدأ الشك، ويتغيّر الانطباع دون أن يُلتفت إليه. ليست المسألة إقناعًا مباشرًا، بل إعادة تشكيلٍ هادئٍ للوعي حتى يُعاد تعريف الحقيقة.

لكن لماذا عُمان؟ الإجابة لأنها لم تُساوم، لم تدخل في زحام المحاور، ولم تربط قرارها بغيرها، ولم تكن صدى. واختارت أن تكون جسرًا، وهذا دأبها لا تُبدّله الظروف. وفي زمنٍ اختلّت فيه الموازين، بقيت على اتزانها، وهذا الاتزان لا يروق لمن لا يعيش إلا على الاستقطاب؛ وهنا تبدأ الحكاية.

والحقيقة أن النهج العُماني لم يكن يومًا ملتبسًا، وإنما وُضع بوضوح، ويتركّز على عدم التدخّل، والاحترام المتبادل، والعلاقات المتوازنة. وهذا ما أكّده السلطان قابوس بن سعيد -رحمه الله- وسار عليه حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظّم -وفّقه الله-؛ وهو ثباتٌ يُعرف، وهدوءٌ يُرى، وسعيٌ لا ينقطع نحو التهدئة. ولم يبقَ ذلك حديثًا محليًا، بل صار سيرةً تُذكر؛ تُطرح عُمان حين تضيق الخيارات، ويُرجع إليها حين يتعقّد الطريق. والثقة هنا لم تُمنح، بل بُنيت حتى صارت رصيدًا يُعرَف ويُعوَّل عليه.

والدول قد تتحمّل ضغطًا، وقد تتجاوز حصارًا، لكن إذا مُسّت صورتها، صار كل موقفٍ يُفسَّر، وكل خطوةٍ تُحمَّل ما ليس فيها. والمطلوب ليس كسر عُمان، وإنما النيل من موقعها؛ لأن بعض المعارك لا تُخاض لإسقاطك، بل لإسقاط ثقة الآخرين بك. فإذا اهتزّت صورتك في أعينهم، أُنجز نصف ما عجزوا عن فرضه عليك.

وهذه ليست مواجهةً ظاهرة، بل عملٌ هادئٌ طويل النفس، يُراكم أثره قبل أن يُدرك.

وليس كل ما كُتب بإتقانٍ يُصدَّق، وبعض الرسائل تُصاغ بعناية وهي في أصلها خلاف ذلك. ونقل الكلام دون تثبّت لا يقف عند حدّه، بل يمتد أثره. والوعي هنا ليس زيادة، بل خط الدفاع الأول. المسألة لم تبقَ تُدار في الداخل فقط، بل تُبنى صورتها في الخارج، وإن لم تُقدّم نفسك قُدّمت بغير صورتك. الحاجة اليوم إلى خطابٍ يصل ويُفهم، ويُعبّر بهدوء عمّا هو قائم: دولةٌ تبني حيث يُهدم، وتُقرّب حيث يُفرَّق، وتفعل ذلك بثباتٍ لا يطلب تصفيقًا.

وما قامت به عُمان ليس استثناءً، بل أثرٌ ممتد. وهذا الأثر إن لم يُجمع ويُعرض، تُرك فراغًا، والفراغ لا يبقى؛ ودائمًا هناك من يملؤه، وليس دائمًا بالحقيقة. ومن لا يكتب تاريخه، يُكتب عنه.

وإذا اشتدّ الداخل، انكسرت المحاولات عند حدّه. والثقة عندما تثبت، لا تنفذ إليها الشكوك بسهولة. والخصم لا يواجهك من قوتك، بل ينتظر منك ثغرة؛ فإن لم يجدها صنعها.

والنصيحة الآن تقول: اهدأ لتُفشل الخطة؛ لأن العجلة تُربك صاحبها، أما الهدوء فيكشف ما وراء الكلام. وكلما ثبت الوعي، خفّ أثر التضليل، وانكشفت النوايا.

وأخيرًا.. عُمان حقيقةٌ لا تُشوَّه. ولم تبنِ موقعها برفع الصوت، ولا وصلت إليه مصادفة، بل مسارٌ تراكم حتى صار يُعرف ويُوثق. والتجربة تُثبت أن ما يُبنى على الثبات لا تُسقطه الأصوات العالية، وأن الرصيد الذي يُصنع بهدوء لا تُبدّده حملات كيدية.

وتبقى الحقيقة كما هي، لا تُبدّلها رواية، ولا تُخفيها دعاية. ومهما طال الطريق، ينكشف الباطل عند حدّه، ويبقى ما ثبت على أصله.

﴿وَقُلْ جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ ۚ إِنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾

مجلة “الواحة العُمانية” تُصدر عددًا خاصًا بمناسبة الذكرى السادسة لتولي جلالة السلطان هيثم بن طارق مقاليد الحكم
زر الذهاب إلى الأعلى