رسالة إلى مجهول من رحلة كان لها في قلبي أثر

محمد الزعابي
- كاتب وروائي عماني
على متن الطائرة ،يحتوينا الصمت ، يرتدينا الإحترام ، كِلانا يحاذي الآخر .
غموض مبهم ينتابني ،بل يجعلنا نبحر في طيوف من التساؤلات ، لا أحد يعي خفايا شخصية الآخر ، سوى أن كل واحد منا يجلس على نفس خط المقاعد ،دفء يكتسيني في سفري على غير عادته ، عبق يداعب حاسة الشم عندي حد الثمالة .
قبل جلوسي على المقعد ،الذي خصص لي عندما استلمت تذكرة السفر من مكتب التسجيل ،فلا أعلم بالتوقعات التي ستحدث أمامي بعد ساعات ،فمن عادتي أحب التبكير لأي رحلة أشغل نفسي في اقتناص الفرصة التي تعزز من راحتي استمتع بين جنبات المطار احتسي فنجان قهوتي ،أسافر في خفايا كتاب يستقر بين يدي ،أو انثر نصًا بداخل مذكرتي ،وابسط ما افعله هو التقاط صورة تعبر عن قيمة المكان .
بعد ما ارتقينا على متن الطائرة انذهلت ، فالدهشة تأتي على حين غرة ، دون لا نعرف كُنهها .
صدمتني الفتاة التي ستجلس بجانبي طيلة الرحلة ، حاولت بكل ما عندي أن أغير مكاني ناقشت مضيفة الطائرة ،وبدون أي جدوى .
جلسنا بجانب بعض ، لا أحد منا يعرف الأخر ،هناك خجل يعتريني احاول أن أتناسى وأجعل الأمر اعتيادياً، لأنه أتى بالجبر الحتمي الذي لا يستطيع كلانا تغيره .
بدأت اكتب الموقف ،حتى لا افقد بعض ما عشته من لحظات ،تعجبت حين علمت بأنها تسترق النظرات بين الفينة والآخرى ،هل يا ترى عرفت ما كنت اكتبه في مذكرة هاتفي ،أو أنها اضغاث أفكار تراودني ،وجائني منادي يقول :هيّا استرق النظر إلى وجهها وبدون لا تشعر بنظراتك وكأنك تطل من النافذة تشاهد زرقة السماء التي تعانق الغيمات ،شيء يمنعني للحفاظ على ما تبقى من الاحترام بيني وبينها .
قللت من حجم الإضاءة التي في هاتفي وأكملت الكتابة في ما يجول في خاطري ،هذه المرة لا تستطيع إن كانت حقا رأت بداية ما كتبته قبل قليل ، هل فضوليتها جعلتا تحدق في شاشة هاتفي الجديد، أو أنها غير مهتمة وانا الذي تعبث فيني وساوس الشيطان .
بقينا على مدرج الطائرة ،متسائلين لمَ كل هذا التأخير .
همسات تأتي من هنا وهناك ،وندم من بعض الركاب على اختيارهم لهذا الطيران ،وأنا أذني لا تسمع إلا همسات الفتاة التي تتحدث في هاتفها بين الحينة والآخرى.
ينادي قائد الرحلة :نعتذر من جميع المسافرين سوف نتأخر لمدة ساعة بسبب خلل بسيط في الطائرة .
تململت لحظتها شعرت بأنني لا أستطيع إلا أن اشغل نظري وأصوبه على رؤوس من هم أمامي والممر،وأكثر ما نصيبًا تلكما المضيفتان الآسيويتان اللتان تتخطفان أمامي كأنهما عارضتا أزياء ،حفظت تمامًا الإرشادات التي بداخل المقعد الأمامي ، وذلك لأنني اعبث في اللوحة الصغيرة تكرارًا.
صعدنا بحمد من الله ، واحتضنتنا السماء وزرقتها تحلي نوافذ
الطائرة ،واتت المضيفة بالماء الذي وضع في علبة صغيرة ،كان باردا أعجبني تنسيق العلبة الصغيرة وحكمة إغلاقها ،ارتشفت جرعة ،انعشني زلاله وشدة نقاوته ، لم يروي عطشي ،وددت أن أطلب علبة ثانية ،ولكن شيء كان يمنعني فاكتفيت بواحدة .
أعطتني المضيفة اقدم للفتاة التي بجانبي ،أخذتها مني ،ناولتني مرة اخرى ثلاث قطع من الكعك المحلى سلمت الاثنان للفتاة وأعطيتها علبة ماء إضافية وجعلت واحد بحوزتي واخذت هذه المرة علبتان من الماء قالت لي وهي تشير بالكعك :يكفيني واحدة .
اشرت لها بيدي دعيها ،وكأنني أعرفها منذ زمن ،ابتسمت وعدنا مبتعدين وكأننا لسنا نجلس بنفس المقاعد بجانب بعض.
حلت الطائرة في مدرج المطار تعلن عن الوصول .
تعجبت من استعجالها وهي منهمكة في الاتصال ،لم تأمرني بأن افسح لها ، وكأنها تتعمد الاصطدام بي ، خجلت وعدت للخلف لكي ابقي ما تبقى من الاحترام متنبها بأن لا ارجع للخلف كثيرا ،ولسوء الطالع ،فخلفي أنثى اخرى خشيت أن اصطدم بها .
وحين عثرت على المسافة الكافية همت بالخروج ،رأيتها مسرعة تدلف تتخطى الأجساد ،ركزت في كرسيها عله أن يلهمني شيء من ذكراها مع أنني لست أعرفها ،هناك استقرت بطاقتها الشخصية ،ناديتها بدون لا أعرف اسمها وهي عند المخرج وهاتفها يداعب اذنيها :(لو سمحتِ).
احتفظت ببطاقتها حتى انزل لصالة القادمون ، رأيتها تجر بحقيبتها الحمراء ،دققت بالاسم وناديتها: (….)
أدارت وجهها الذي تناغم مع نور الشمس الساطع من الزجاج مندهشة وبها مئات الاستفهامات .
نعم .
تفضلي بطاقتك .
شكرًا .
غادر كل واحد لوجهته في رحلة قصيرة كان لها في قلبي اثر .





