بدر البوسعيدي يكتب لصحيفة “ذي إيكونوميست”

بدر بن حمد البوسعيدي

مسقط – الواحة
نقلا عن الرؤية

نشر معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية مقالًا في صحيفة “ذي إيكونوميست” البريطانية، حول مجريات الحرب الإسرائيلية الأمريكية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، داعيًا “أصدقاء الولايات المتحدة الأمريكية” إلى مساعدتها من خلال “قول الحقيقة أولًا”، مؤكدًا أن “طرفيْ هذه الحرب لا يجنيان منها أي مكاسب، وأن المصالح الوطنية لكل من إيران وأمريكا تكمن في إنهاء الأعمال العدائية في أقرب وقت ممكن”.

بدر بن حمد الإيكونوميست.jpg

واستهل معاليه المقال بالقول: “مرتين خلال تسعة أشهر، كانت الولايات المتحدة وإيران على وشك التوصل إلى اتفاق حقيقي بشأن القضية الأكثر تعقيدًا التي تفرّق بينهما، وهما برنامج إيران النووي والمخاوف الأمريكية من أن يتحول إلى برنامج أسلحة”. وأضاف أن الحرب كانت “صادمة لكنها لم تكن مفاجئة، عندما شنّت إسرائيل والولايات المتحدة، في 28 فبراير- بعد ساعات قليلة من آخر وأهمّ المحادثات- ضربة عسكرية غير قانونية ضد السلام الذي بدا لفترة وجيزة، ممكنًا، بالفعل”.

وأوضح معاليه أن “رد إيران على أهداف أمريكية على أراضي الجوار كان نتيجة حتمية، و”إن كانت مؤسفة للغاية وغير مقبولة بتاتًا”.

وذكر أنه “في مواجهة ما وصفته كل من إسرائيل والولايات المتحدة بحرب تهدف إلى القضاء على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، كان هذا على الأرجح الخيار العقلاني الوحيد المتاح للقيادة الإيرانية”.

وأوضح أن آثار هذا الرد تجلت بحدةٍ في جنوب الخليج؛ حيث باتت الدول العربية التي وضعت ثقتها في التعاون الأمني الأمريكي ترى في هذا التعاون نقطة ضعف خطيرة، تهدد أمنها الحالي وازدهارها المستقبلي.

وبيّن معاليه أنه “بالنسبة لدول الخليج، فإنّ النموذج الاقتصادي الذي كان من المفترض أن تلعب فيه الرياضة والسياحة والطيران والتكنولوجيا العالمية دورًا مُهمًا، بات الآن في خطر”.

وأضاف أن خطط دول الخليج للتحوّل إلى مركز عالمي لمراكز البيانات، قد تحتاج إلى مراجعة.

وذكر أن آثار رد إيران يمكن تلمُّسها على الصعيد العالمي؛ حيث تعطلت حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز بشدة؛ مما أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة وتهديد بركود اقتصادي حاد، وإذا لم يتوقع مهندسو هذه الحرب هذا الأمر، فقد كان ذلك بالتأكيد، خطًا فادحًا في التقدير.

وشدد معاليه على أن أكبر سوء تقدير ارتكبته الإدارة الأمريكية، بلا شك، تمثّل في السماح لنفسها بالانجرار إلى هذه الحرب من الأساس؛ إذ إن هذه ليست حرب أمريكا، ولا يوجد سيناريو محتمل تحقق فيه كل من إسرائيل وأمريكا ما يريدانه منها.

وأعرب البوسعيدي عن أمله في أن يكون التزام أمريكا بتغيير النظام مجرد كلام، بينما تسعى إسرائيل صراحةً إلى إسقاط الجمهورية الإسلامية، وربما لا تُبالي كثيرًا بكيفية إدارة البلاد، أو بمن سيحكمها، بمجرد تحقيق ذلك.

وقال إنه مع وضع هذا الهدف نصب أعينهم، يبدو أن القيادة الإسرائيلية قد أقنعت أمريكا بأن إيران قد أُضعفت بشدة من جرّاء العقوبات والانقسامات الداخلية والقصف الأمريكي الإسرائيلي لمواقعها النووية في يونيو الماضي، لدرجة أن استسلامًا غير مشروط سيعقب الهجوم الأولي واغتيال المرشد الأعلى.

ويرى معاليه أنه “بات من الواضح الآن أن تحقيق إسرائيل لهدفها المعلن سيتطلب حملة عسكرية طويلة الأمد، ستضطر أمريكا خلالها إلى نشر قوات برية، ما سيفتح جبهة جديدة في الحروب التي لا تنتهي والتي تعهد الرئيس دونالد ترامب سابقًا بإنهائها، هذا ليس ما تريده الحكومة الأمريكية، ولا يرى شعبها ذلك أيضًا، فهم بالتأكيد لا يعتبرون هذه حربهم”.

وقال البوسعيدي إن “السؤال الموجه لأصدقاء أمريكا بسيط، ألا وهو: ما الذي يمكننا فعله لإخراج هذه القوة العظمى من هذا التورط غير المرغوب فيه؟ أولًا وقبل كل شيء، يقع على عاتق أصدقاء أمريكا مسؤولية قول الحقيقة”.

وأكد أن ذلك يبدأ بحقيقة أن طرفي هذه الحرب لا يجنيان منها أي مكاسب، وأن المصالح الوطنية لكل من إيران وأمريكا تكمن في إنهاء الأعمال العدائية في أقرب وقت ممكن، وهذه حقيقة مزعجة؛ لأنها تنطوي على الإشارة إلى مدى فقدان أمريكا السيطرة على سياستها الخارجية، ولكن لا بُد من قولها.

وشدد على أنه سيتعين على قيادة الولايات المتحدة- عندئذٍ- تحديد أين تكمن مصالحها الوطنية الحقيقية، والتصرف وفقًا لذلك.

وقال معالي السيد وزير الخارجية إن تقييمًا موضوعيًا لتلك المصالح سيُفضي إلى أنها يجب أن تشمل وضع حد نهائي وحاسم لانتشار الأسلحة النووية في المنطقة، وتأمين سلاسل إمداد الطاقة، وتجديد فرص الاستثمار في سياق الأهمية الاقتصادية العالمية المتنامية للمنطقة، وكل ذلك سيتحقق على أفضل وجه في ظل سلام إيران مع جيرانها، وربما يمكن اعتبارها أهدافًا مشتركة لجميع دول الخليج.

غير أن البوسعيدي يرى أن “التحدي يكمن في كيفية الخروج من كارثة اليوم، قد يكون من الصعب على أمريكا العودة إلى المفاوضات الثنائية التي انحرفت عنها مرتين بسبب إغراءات الحرب، ومن المؤكد أنه سيكون من الصعب على القيادة الإيرانية العودة إلى الحوار مع إدارة انتقلت فجأة مرتين من المحادثات إلى القصف والاغتيال، لكن الطريق للخروج من الحرب- رغم صعوبة اتباعه على كلا الطرفين- قد يمر تحديدًا عبر هذه العودة”.

وشدد معاليه على أن الأطراف تحتاج إلى حافز لاستجماع الشجاعة اللازمة للانخراط مجددًا في المحادثات، ويمكن توفير هذا الحافز من خلال ربط المفاوضات الثنائية، الضرورية لحل القضية الجوهرية بين أمريكا وإيران، من خلال إطلاق عملية إقليمية أوسع نطاقًا، تهدف إلى وضع إطار عمل للشفافية بشأن الطاقة النووية- والتحول في الطاقة على نحو أكثر شمولًا- في المنطقة. وبينما تتطلع جميع دول المنطقة نحو مستقبلها المشترك الخالي من الكربون، قد يعتمد ضمان الابتكار والتنمية على اتفاق أساسي بشأن دور التقنيات النووية.

وتساءل معاليه ما إذا كان بالإمكان أن “يُمثل هذا المقترح حافزًا كافيًا لجميع الأطراف الرئيسية لكي تتحمل بصورة طوعية صعوبات الحوار، ومن ثم تحقيقه بشكل جماعي”.

وأضاف: “من المؤكد أن سلطنة عُمان وجيرانها في مجلس التعاون الخليجي يمكنهم اقتراح ذلك، وقد تُفضي بعض المحادثات الأولية، مع مرور الوقت، إلى تدابير لبناء الثقة، وإحداث توافق في الآراء حول الدور الذي ينبغي أن تؤديه الطاقة النووية في عملية التحول في الطاقة بالمنطقة”.

لكن البوسعيدي ختم مقالته بالقول: “من المستحيل، بالطبع، تحديد الوجهة النهائية لمثل هذه العملية، لا سيما في خضم الحرب”. واستدرك معاليه بتساؤلٍ: “هل من الممكن التوصل إلى اتفاق إقليمي دائم بشأن الشفافية النووية، وذلك ربما في سياق معاهدة إقليمية بعدم الاعتداء؟

مجلة “الواحة العُمانية” تُصدر عددًا خاصًا بمناسبة الذكرى السادسة لتولي جلالة السلطان هيثم بن طارق مقاليد الحكم
زر الذهاب إلى الأعلى