شباب من ذوي الإعاقة بين الإبداع الرقمي والفن التفاعلي

مسقط في 24 مارس 2026 /العُمانية/في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، برز الإبداع الرقمي والفن التفاعلي كمساحات واسعة تمكّن الأفراد من تحويل أفكارهم إلى تجارب حيّة تتفاعل مع الجمهور. ولم يعد الإبداع حكرًا على فئة دون أخرى، إذ يثبت الشباب من ذوي الإعاقة حضورهم بوصفهم نماذج ملهمة استطاعت تجاوز التحديات وتسخير التقنيات الحديثة لإنتاج محتوى يعكس الإرادة والموهبة.
وفي الجانب التقني، يبرز توظيف المنطق البرمجي في تطوير أدوات تخدم المجتمع وتؤكد الكفاءة المهنية، من خلال استثمار لغات البرمجة والذكاء الاصطناعي لابتكار حلول تتجاوز العوائق التقليدية. ويقول علي العمري، وهو مبرمج من ذوي الإعاقة البصرية، إنه تابع تطور التقنيات الخاصة بالمكفوفين منذ برامج القراءة التقليدية وصولًا إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي فتحت آفاقًا واسعة وساعدت في تسهيل إنجاز المهام اليومية.

ويشير إلى أن العديد من المكفوفين أسهموا في تطوير برامج لقراءة وتحليل المستندات والصور، وتسهيل التنقل الرقمي، مؤكدًا أنه أنشأ مكتبة إلكترونية مخصصة للمكفوفين توفر كتبًا سهلة الوصول، مع توظيف الذكاء الاصطناعي لتحويل الكتب المصورة إلى نصوص، ما أتاح محتوى أوسع لم يكن متاحًا سابقًا.
كما أوضح أنه يستخدم تطبيقات رقمية في حياته اليومية، من بينها منصة خاصة بإدارة أعمال الصيانة المنزلية، تمكّنه من تنظيم المهام وتلقي التنبيهات ومتابعة التكاليف، في تجربة تمزج بين اهتماماته الشخصية وخبراته التقنية.

وحول رؤيته المستقبلية، يؤكد أن التطور المتسارع في الذكاء الاصطناعي يبشّر بمستقبل أكثر إشراقًا للأشخاص ذوي الإعاقة، مع تزايد الحلول التقنية التي تدعم التنقل والتعرف على الأشياء وتسهيل الحياة اليومية، مشيرًا إلى أهمية تحول هذه الفئة من مستخدمين إلى مطورين، لما لذلك من أثر في تعزيز التحول الرقمي.
من جانبه، يوضح طارق بن أحمد اليوسفي، وهو مصمم جرافيكي من ذوي الإعاقة السمعية، أنه حرص على تطوير مهاراته من خلال المشاركة في المعارض والمؤتمرات والعمل التطوعي، إلى جانب دراسته الأكاديمية، ما مكّنه من خوض تجارب متعددة في التصميم الرقمي.
ويؤكد اليوسفي حرصه على دمج الهوية العُمانية في أعماله، من خلال استلهام عناصر التراث كالخط العربي والأبواب القديمة وألوان البيئة، وتحويلها إلى عناصر بصرية رقمية تفاعلية، تتيح للجمهور التفاعل مع العمل عبر الحركة أو اللمس أو الصوت، ما يعزز ارتباطهم بالتراث بأسلوب معاصر.
ويرى أن التصميم الرقمي يمنحه مساحة أوسع للتعبير مقارنة بالوسائط التقليدية، حيث يتيح دمج الألوان والحركة والصوت في تجربة واحدة، ويحوّل المتلقي من مشاهد إلى مشارك في العمل الفني، ما يفتح آفاقًا جديدة للإبداع.

أما الفنانة التشكيلية سماح بنت بدر الهوتية، من ذوي الإعاقة السمعية، فتؤكد أن الصمت لم يكن عائقًا، بل مساحة أعمق لرؤية التفاصيل وتحويلها إلى أفكار فنية. وتوضح أن الفن التفاعلي ساعدها في بناء جسر تواصل مع الجمهور، إذ يتيح لهم التفاعل مع أعمالها دون الحاجة إلى اللغة، ما يعزز فهمهم لعالمها الخاص.
وتطمح الهوتية إلى مواصلة مشاركاتها في المعارض الفنية، مع التركيز على قضايا الإعاقة السمعية ولغة الإشارة، إلى جانب تدريب الصم وغيرهم على الفنون.
وفي مجال الإعلام الرقمي، يبيّن عبد الله بن محمد السليماني، من ذوي الإعاقة الحركية وصاحب مؤسسة إعلامية، أنه اكتسب خبرات واسعة في تنظيم الفعاليات وإنتاج المحتوى الإعلامي، وحصد جوائز في هذا المجال، كما أطلق برنامجًا عبر منصة يوتيوب يهدف إلى إبراز المواهب العُمانية.
ويرى السليماني أن التحديات يمكن أن تكون دافعًا للابتكار، مشددًا على أهمية دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة من خلال توفير الفرص والخبرات، وليس الدعم المالي فقط. كما يؤكد الحاجة إلى برامج تدريبية متخصصة تواكب متطلبات المستقبل الرقمي.
ويشير إلى استمرار بعض التحديات، مثل نقص تهيئة البنية الأساسية، وارتفاع رسوم التراخيص، وصعوبات السفر والخدمات المرتبطة به، مقترحًا إنشاء مركز متكامل لدعم مشاريع الأشخاص ذوي الإعاقة، يسهّل عليهم تطوير أعمالهم وتحقيق طموحاتهم.
وتؤكد هذه النماذج أن الإبداع الرقمي والفن التفاعلي يشكلان منصات واعدة لتمكين الشباب من ذوي الإعاقة، وإبراز قدراتهم في مختلف المجالات، بما يسهم في بناء مجتمع أكثر شمولًا وابتكارًا.





