صور العفيّة

بقلم / احمد الحارثي
- أكاديمي عماني
وحدها لحظة استِفاقة هذا الصباح مَن حَدد البوصلة ورَسم “خارطة الطريق” كما تقولها ألسُن الساسة الغامضة، ووحدها تستثيرني صور هذه المرة، بكامل فتنتها وفنّها وفنتازيتها، وأنا الذي لم تُغيّب سنوات مراهقته ملامحها وأسواقها وبحرها الذي فتح شهية العمانيين على أفريقيا وآسيا عبر تاريخ طويل من الهجرة وطلب الرزق، تماماً كما أثارت وأسالت لعاب المستعمر والمستثمر الصغير القادم من القارة الهندية وبلاد فارس.
الذاكرة لم تكتفي بقصص البغلة والغنجة والسمبوق ورحلاتها البحرية الطويلة، ولا بسعيد ود وزير أو بناصر البلال أو مشاهير تُجّارها وصُنّاع خناجرها وحناجرها من أمثال سالم راشد الصوري وحمد حليس وغيرهم كُثُر بلا شكّ.
قُبالة منارة “العيجة” اتكأتُ على كرسيّ خشبيّ أتأمل هذا البناء الدائري الأبيض الذي يحتل أقصى زاوية مرتفعة مواجهاً لمركز المدينة .. ميناء سجّل واستقبل وودّع على أرصفته آلاف السفن والمسافرين والبضائع وخيرات البحر، فيما ترتفع أصوات المآذن بإعلان انتهاء يوم صيام قد يكون الأخير في العام الحالي، ثَمّة عائلات تفترش الشاطئ بكامل هدوئها وترقّبها، وكأنها غير معنيّة بما يدور في الشطر الشمالي من الجزيرة العربية من مسيّرات وصواريخ وقنابل وتدمير وقتل ومؤامرات، وفي زاوية أخرى، تلمع خيوط حمراء وزرقاء بارتفاع عدة أمتار على جسر حديث يصل البر بالبحر، وكلّما اتجه عبره المسير شرقاً، كلّما اقترب العابر إلى أول موقع تشرق فيه الشمس في البلاد العربية، أو هكذا تقول الحكاية، أنهيتُ رفقة عائلتي إفطارنا وأردنا إكمال يومنا بتجوال سريع لاشباع رغبة طفلنا في تناول بعض الحلويات بأحد المقاهي، وبمساعدة سخيّة من محرّك البحث Google، عثرنا على مكان لم يكن في الحسبان، مكتبة ومقهى في محيط متجانس لمن أراد الإستراحة صحبة كتب متنوعة تهتم بالترجمة والرواية وأدب الطفل والشعر.. في إحدى الزوايا، كرسيّ أبيض ومايكرافونين وديكور خفيف لا يخلو من أناقة، ربما كمكان لاقامة فعاليات وحوارات أراده صاحب المشروع أن يكون منبر صوتي آخر يعزز القيمة المعرفية للمكتبة/المقهى، وبدوري لم أفوّت الفرصة، فقلت لمحمود درويش “عابرون في كلام عابر” وألقيتُ التحية على نجيب محفوظ واولاد حارته، وعلى غسان كنفاني ورجال شمسه وأدوارد سعيد واستشراقه، وقرأتُ كذلك عبارات عن القهوة كانت تحتل زاويتيّ جدار تحضيرها، دون أن تعرف المرأة الآسيوية وهي تنشغل بخدمتنا، معنى تلك الخربشات الساكنة أعلى الحائط، ولم يفت الآسيوي الآخر “موظّف” المكتبة/المقهى منظر طفلنا، فسأله مباشرة : “انت جاي من بحر؟”..وعلى كل حال، كان الرجل لطيفاً وحاول خدمتنا بشكل مُرضٍ، فأستأذننا للتوجه إلى المسجد المجاور لأداء صلاة التراويح، ولكنه عاد إلينا سريعاً، ربما اختصر صلاته، في بادرة بدت لي وكأنها “توافقية” في هذا الشهر الفضيل.




