القرية العُمانية… مصنعُ الإنسان قبل أن تُصنَع المدن

زاهر بن سيف بن سلطان المسكري
ليست القرية العُمانية مجرد بيوتٍ من طينٍ أو حجارة، ولا نخيلٍ يلوّح في الأفق، ولا طرقٍ ترابيةٍ تعبرها الأقدام في هدوء…بل هي مدرسةٌ عميقة، تخرّج منها الإنسان العُماني قبل أن يعرف الجامعات، وقبل أن تُكتب المناهج.
في القرية… كان المنبر ليس خشبةً يُخطب عليها، بل عقلًا يُشكَّل، ووجدانًا يُهذَّب، وضميرًا يُوقظ.ومن بين كلماته، تعلّم العُماني أن للكلمة وزنًا، وأن الصدق عبادة، وأن العدل ميزان لا يُختل.
وفي السوق…لم يكن البيع والشراء مجرد تبادل سلع، بل كان ميدانًا للأخلاق؛ تُعرف فيه قيمة الأمانة، ويُختبر فيه صدق اليد قبل جودة البضاعة،حتى صار التاجر العُماني يُعرَف قبل سلعته.
أما رعي الغنم…فلم يكن عملًا بسيطًا كما يظنه العابرون، بل كان مدرسة صبرٍ ومسؤولية؛ حيث يتعلّم الطفل كيف يقود، وكيف يحمي، وكيف يصبر على الحر والبرد، فتنمو في داخله روح القيادة قبل أن ينطق بها.
وفي آداب الطريق…لم تكن قوانين مكتوبة، بل أخلاقًا تُمارَس؛ إفساح الطريق، إلقاء السلام، حفظ الجار، وغضّ البصر…قيمٌ سارت على الأقدام قبل أن تُكتب في الكتب.
أما الفلج…فهو أعظم من مجرى ماء؛ إنه عدلٌ يسيل، ونظامٌ يُقسَّم بالثواني والنجوم، تعلم منه العُماني أن الحقوق لا تُؤخذ بالقوة، بل تُحفظ بالنظام،وأن الماء — وهو الحياة — لا يُعطى إلا بميزانٍ دقيق لا يميل.
هكذا…
بين السهل والجبل، بين البحر والفلج،تكوّنت شخصيةٌ لا تعرف التكلّف،ثابتةٌ كالجبل، مرنةٌ كالماء، واسعةٌ كالبحر، ونقيّةٌ كالنخلة.
القرية العُمانية لم تُربِّ إنسانًا يعيش فقط…بل صنعت إنسانًا يُعاش به.
إنها لم تُخرّج أفرادًا…بل أخرجت قيماً تمشي على الأرض. ولهذا…حين ترى العُماني، فأنت لا ترى شخصًا واحدًا، بل ترى خلفه قريةً كاملة:
منبرًا يُذكّره، وسوقًا يُهذّبه، وفلجًا يُنصفه، وطريقًا يُعلّمه، وأرضًا تُنبت فيه الخير كما تُنبت النخيل.
تلك هي القرية…وتلك هي موروثات سلطنة عُمان.





