ضجيج بلا حقيقة… حين يصبح المحتوى بديلاً عن الواقع

✍️ خالد بن شاهين
في زمن تتسارع فيه المعلومة، لم يعد نقل الحقيقة هو الهدف الأول لدى بعض وسائل الإعلام أو ما يُعرف بـناشطي المحتوى ، بل أصبح السباق نحو الظهور وجمع المتابعين هو البوصلة التي تُحدد الاتجاه. وبين هذا الضجيج المتصاعد، تتوارى الحقيقة، ويُستبدل الواقع بسرديات مصطنعة لا تلامس جوهر القضايا ولا تعكس عمقها.
المشكلة لا تكمن في تعدد المنصات أو حرية التعبير، بل في نوعية ما يُقدَّم. فهناك من اختزل العمل الإعلامي في إثارة الجدل، وتضخيم الأحداث، بل واختلاقها أحياناً، تحت ذريعة صناعة المحتوى. هذا النمط من الطرح لا يُثري النقاش، بل يُشوّه الوعي العام، ويخلق فجوة بين ما يعيشه الناس فعلاً وما يُعرض عليهم يومياً.
ولعل أكثر ما يثير الاستغراب، ذلك التناقض الصارخ بين الإنجازات والأعمال التي تتحقق على أرض الواقع، وبين الصورة التي تُنقل للجمهور. مشاريع قائمة، وجهود تُبذل، ونجاحات ملموسة في مجالات متعددة، لكنها تُهمَّش أو تُقدَّم بصورة مشوهة، في مقابل إبراز قضايا هامشية أو تضخيم سلبيات محدودة. هذا الخلل لا يعكس الواقع، بل يعيد تشكيله وفق أهواء الباحثين عن التفاعل.
لقد أصبحنا أمام محتوى يُصنع بلا هدف حقيقي، سوى ملء الفراغ الرقمي، حتى بات المتلقي يشعر بحالة من الإرهاق أو “اللوعة” من تكرار الطرح السطحي، والبحث المستمر عن الإثارة دون مضمون. ومع هذا التراكم، تتآكل قيمة الكلمة، ويُفقد المحتوى معناه، ليصبح مجرد ضجيج عابر لا يترك أثراً سوى التشويش.
الأسباب متعددة، أولها غياب المعايير المهنية الواضحة لدى البعض، وثانيها السعي المحموم نحو الشهرة السريعة، وثالثها ضعف الرقابة والمحاسبة على ما يُنشر. ومع غياب المساءلة، تتحول المنصات إلى مساحات مفتوحة لترويج أي فكرة، مهما كانت سطحية أو مضللة، ما دامت تحقق التفاعل المطلوب.
أما المقصد، فغالباً ما يكون تلميع الصورة الشخصية، أو ركوب موجة القضايا الرائجة دون فهم حقيقي لها، أو حتى استثمارها لتحقيق مكاسب مادية أو معنوية. وهنا يُصبح المحتوى وسيلة لا لنقل الحقيقة، بل لتسويق الذات، ولو كان الثمن تضليل المتلقي.
والنتيجة جمهور متخم بالمعلومات، لكنه يعاني من نقص في الفهم. ووعي عام مشوش، تتداخل فيه الحقيقة مع الزيف، ويصعب فيه التمييز بين الرأي المدروس والطرح السطحي. الأخطر من ذلك، أن هذا النمط يُضعف الثقة بالإعلام ككل، ويُفقده دوره الأساسي كمرآة صادقة للمجتمع.
إن إعادة الاعتبار للمحتوى الجاد لا تتطلب تقييداً، بل مسؤولية. مسؤولية من صانع المحتوى في تحري الدقة، ومن المنصات في وضع ضوابط واضحة، ومن الجمهور في عدم الانسياق خلف كل ما يُعرض دون تمحيص. فالإعلام، في جوهره، ليس مجرد وسيلة للانتشار، بل أمانة… ومن يفرّط فيها، يساهم في صناعة واقع زائف، لا يشبه أحداً.




