الفحص الطبي قبل الزواج.. دعامة وقائية لبناء أسرة صحية ومستقرة

مسقط في 3 يناير 2026 /العُمانية/يشكّل قرار إلزامية الفحص الطبي قبل الزواج لجميع العُمانيين، بموجب المرسوم السلطاني رقم (111/2025)، خطوة محورية في تعزيز منظومة الصحة الوقائية، لما له من دور فاعل في الحد من انتشار الأمراض الوراثية والجينية والمعدية، وحماية صحة الزوجين والأبناء مستقبلًا، وتقليل الآثار الصحية والاجتماعية والاقتصادية المترتبة عليها.

وأكد مختصون في القطاع الصحي أن الفحص الطبي قبل الزواج يمثل أداة أساسية للكشف المبكر عن الأمراض الوراثية والمعدية، ويسهم في تقليل الأعباء الصحية على الأسرة والنظام الصحي، مشيرين إلى أن إلزامية الفحص تعزز الصحة العامة، وتدعم الأهداف الوطنية لصحة الأسرة والمجتمع.

وقالت الدكتورة انتصار بنت ناصر الشكرية، استشارية علم الفيروسات بالمختبر المركزي للصحة العامة بوزارة الصحة، إن فقر الدم المنجلي يُعد من أكثر أمراض الدم الوراثية انتشارًا وخطورة من حيث المضاعفات الصحية، إلى جانب مرض الثلاسيميا، ولا سيما “بيتا ثلاسيميا” التي تتطلب نقل دم مستمر، موضحة أن هذه الأمراض تنتقل غالبًا بالوراثة المتنحية، ولا تظهر إلا في حال وراثة الجين المعيب من كلا الأبوين.

وأضافت أن الفحص الطبي يساهم في اكتشاف الأشخاص الحاملين للجين المرضي، الذين يتمتعون بصحة جيدة ظاهريًّا، مؤكدة أن الخطر الحقيقي يكمن في زواج طرفين كلاهما حامل للجين، حيث تبلغ احتمالية إنجاب طفل مصاب 25 بالمائة في كل حمل، وهو ما يستدعي التوعية المسبقة لاتخاذ قرارات واعية.

وأشارت إلى أن الكشف المبكر يخفف الأعباء على مستويين؛ الأول أسري، من خلال تجنب معاناة الأطفال المصابين وما يرافقها من آلام متكررة وتنويم ونقل دم، بما ينعكس إيجابًا على جودة الحياة الأسرية، والثاني صحي، إذ تصل كلفة علاج أمراض الدم الوراثية إلى نحو 55 مليون ريال عُماني سنويًّا، يمكن إعادة توجيهها لتطوير خدمات صحية أخرى في حال خفض أعداد المواليد المصابين.

وبيّنت أن بعض الخيارات الطبية متاحة في حال قرر الطرفان إتمام الزواج رغم حملهما للجين، من بينها الفحص الوراثي قبل الانغراس، إلا أن ارتفاع تكلفته ومحدودية توفره ونسب نجاحه، تقلل من الاعتماد عليه رغم كونه أحد الحلول الطبية المتقدمة.

وأكدت أهمية التثقيف الوراثي في تصحيح المفاهيم المغلوطة السائدة، ورفع الوعي بالفروق بين الشخص المصاب وحامل الجين، والتأكيد على أن الأمراض الوراثية لا تقتصر على زواج الأقارب فقط، بل قد تظهر بين أشخاص غير ذوي صلة قرابة، مشيرة إلى أن هذا التثقيف يمكّن المقبلين على الزواج من اتخاذ قرارات مسؤولة قائمة على المعرفة العلمية.

من جانبه أوضح الدكتور مصلح بن محمد المصلحي، اختصاصي أول أمراض الدم ورئيس قسم المختبرات بمستشفى إبراء، أن الفحص الطبي قبل الزواج يسهم في الحد من انتقال الأمراض المعدية بين الزوجين ومن الأم إلى الجنين، عبر الكشف المبكر عن الإصابات المحتملة، وإتاحة التدخل العلاجي في الوقت المناسب، بما يقلل من المضاعفات الصحية ويحافظ على استقرار الأسرة.

وأشار إلى أن التحدي لا يكمن في اكتشاف الحالات الإيجابية فحسب، بل في إدارتها طبيًّا وإنسانيًّا وأخلاقيًّا وفق بروتوكولات دقيقة تضمن كرامة المراجعين وسلامة المجتمع، مؤكدًا أن أي نتيجة إيجابية تخضع لفحوص تأكيدية قبل اعتمادها.

وأكد أن إلزامية الفحص الطبي قبل الزواج تعزز جهود الصحة العامة في السيطرة على الأمراض المعدية مستقبلًا، وترسخ ثقافة الوقاية، وتسهم في تقليل الأعباء الصحية والاقتصادية الناتجة عن علاج الحالات المتقدمة.

بدورها أشارت الدكتورة رية بنت سعيد الكميانية، رئيسة قسم الرعاية قبل الحمل بدائرة الصحة الإنجابية بالمركز الوطني لصحة المرأة والطفل، إلى أن من مؤشرات نجاح برنامج الفحص الطبي قبل الزواج ارتفاع نسبة المستفيدين منه مقارنة بعدد الزيجات سنويًّا، إلى جانب انخفاض معدلات الإصابة بأمراض الدم الوراثية بين المواليد الجدد.

وأوضحت أن نسبة المستفيدين من الفحص بلغت 42 بالمائة في عام 2024، وهي نسبة لا تزال دون المأمول في ظل وصول معدلات انتشار أمراض الدم الوراثية إلى 9.5 بالمائة، مؤكدة أن تطبيق الإلزامية سيسهم في تقليص هذه الفجوة بشكل ملموس.

وبيّنت أن وزارة الصحة عززت جاهزية المؤسسات الصحية عبر توفير الأجهزة والمستلزمات المخبرية، وتحديث أدلة العمل الإرشادية، وتدريب الكوادر الطبية، إضافة إلى اعتماد عدد من المؤسسات الصحية الخاصة بعد استيفائها لاشتراطات تقديم الخدمة.

وأكدت أن قرار إلزامية الفحص الطبي قبل الزواج ينسجم مع الاستراتيجية الوطنية لصحة الأسرة والمجتمع، القائمة على الوقاية والكشف المبكر، ويعكس توجهًا وطنيًّا لترسيخ الصحة الوقائية، وتمكين المقبلين على الزواج من بناء أسر صحية، بما يعزز استدامة النظام الصحي ويحمي المجتمع العُماني.

زر الذهاب إلى الأعلى