حماية الثروة السمكية في سلطنة عُمان.. التزام وطني لضمان الاستدامة البيئية والاقتصادية

مسقط في 3 يناير 2026 /العُمانية/تمثل حماية الثروة السمكية في سلطنة عُمان أولوية وطنية لما لها من دور محوري في تعزيز الاقتصاد الوطني، ودعم الأمن الغذائي، والحفاظ على مصدر رزق الصيادين الحرفيين. وانطلاقًا من هذه الأهمية، وضعت السلطنة منظومة تشريعية وتنظيمية متكاملة تهدف إلى ضمان استدامة هذا القطاع الحيوي، إلى جانب تعزيز الشراكة بين الجهات الرسمية والمجتمع للحد من الممارسات الضارة وتشجيع الصيد المسؤول، بما يكفل الحفاظ على الموارد البحرية للأجيال القادمة.

وأكد الدكتور حسين بن محمد المسقطي، مدير دائرة التنمية السمكية بمسقط في وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه، أن الوزارة تولي تنظيم أدوات وممارسات الصيد اهتمامًا كبيرًا، نظرًا لتأثيرها المباشر على البيئة البحرية والمخزون السمكي، موضحًا أن استخدام بعض معدات الصيد خارج الأطر المعتمدة قد يؤدي إلى زيادة الصيد العرضي وحدوث اختلالات بيئية.
وأشار إلى أن شباك الصيد بالضاغية تُعد من طرق الصيد التقليدية المتوارثة في عدد من محافظات سلطنة عُمان، منها شمال وجنوب الباطنة ومسقط ومسندم وظفار، حيث مارسها الصيادون الحرفيون منذ زمن طويل وفق أعراف معروفة. وبيّن أن الصيد بالضغاوي الساحلية يعتمد على تثبيت الشباك قرب الشاطئ للاستفادة من حركة الأسماك مع التيارات البحرية، ويستهدف بالدرجة الأولى الأسماك السطحية الصغيرة، وعلى رأسها العومة (السردين) والبريّة خلال مواسمها.
وأوضح أن الالتزام بالممارسات السليمة يتيح إطلاق الكميات غير المستهدفة، إلا أن عدم التقيد بالمواصفات الفنية أو بالمناطق والمواسم المحددة قد يؤدي إلى صيد أنواع غير مستهدفة، بما يهدد التوازن البيئي.
وفيما يخص شباك التحويط، المعروفة بالتدوير أو الحوي، أوضح أنها تنقسم إلى نوعين؛ أحدهما لا يحتوي على حلقات لغلق الشبك من الأسفل، ما يسمح بخروج بعض الأسماك غير المستهدفة، بينما يؤدي النوع الآخر، المزود بحلقات لغلق الشبك، إلى احتجاز جميع الأسماك المحوطة، الأمر الذي قد يتسبب في صيد كميات كبيرة من الأسماك الصغيرة واستنزاف المخزون السمكي على المديين المتوسط والبعيد في حال استخدامه بغير المواصفات المعتمدة.
وأكد أن الوزارة أصدرت لوائح تنظيمية واضحة لمختلف أنواع الشباك، تحدد المواصفات الفنية، ومناطق ومواسم الاستخدام، والأنواع المستهدفة، وتشترط الحصول على تراخيص مسبقة، مع تحديد أعداد الشباك المسموح بها، وذلك بالتنسيق مع لجان سنن البحر في الولايات الساحلية.
وشدد على أن عدم التزام بعض الصيادين بهذه اللوائح يؤدي إلى ممارسات خاطئة ونتائج سلبية على البيئة البحرية، مشيرًا إلى استمرار جهود الوزارة في تكثيف الرقابة والإرشاد، وتعزيز الوعي بمفهوم الصيد المسؤول.
وأضاف أن الوزارة تطبق منظومة متكاملة من الإجراءات التنظيمية والرقابية والإرشادية للحد من الصيد غير القانوني، تشمل تنظيم منح التراخيص، وتطبيق مواسم حظر لبعض معدات الصيد خلال فترات التكاثر، ومنع الصيد في المناطق البحرية الحساسة مثل الشعاب المرجانية ومناطق القرم (المانغروف)، إلى جانب استخدام التقنيات الحديثة كأنظمة التتبع الإلكتروني لسفن وقوارب الصيد.
كما أوضح أن الوزارة وقّعت اتفاقية تعاون مع مؤسسة خدمات الأمن والسلامة لنقل مهام الرقابة السمكية، بما يعزز كفاءة الرقابة ورفع مستوى الجاهزية، مؤكدًا أن العقوبات المنصوص عليها في التشريعات تتدرج بحسب نوع المخالفة، وتشمل الغرامات المالية، ومصادرة أدوات الصيد، وإيقاف أو إلغاء التراخيص، وتُطبق وفق مبادئ العدالة والشفافية.

من جانبها، أكدت الدكتورة منى بنت هاشل الطارشية، أخصائية إدارة حياة بحرية بهيئة البيئة، أن الصيد العرضي يشكل خطرًا مباشرًا على التوازن البيئي البحري، لما يسببه من نفوق كائنات غير مستهدفة مثل السلاحف والقروش والثدييات البحرية، وهي أنواع تؤدي أدوارًا أساسية في السلاسل الغذائية. وأشارت إلى أن استمرار هذه الممارسات يؤدي على المدى الطويل إلى تراجع التنوع الأحيائي وازدياد خطر الانقراض المحلي لبعض الأنواع، ويضعف قدرة النظم البيئية على التعافي ومواجهة الضغوط البيئية الأخرى.

وفي السياق ذاته، قال جاسم بن أبو بكر البلوشي، صياد حرفي وعضو في شبكة هواة صيد الأسماك، إن الصيد الجائر يمثل تهديدًا مباشرًا لاستدامة مهنة الصيد ومصدر رزق الصياد الحرفي، داعيًا إلى تعزيز برامج التوعية والتدريب، خاصة للصيادين الجدد، وترسيخ ثقافة الصيد المسؤول، إلى جانب تشديد العقوبات بحق المخالفين.
وأكد أن الحفاظ على الثروة السمكية مسؤولية مشتركة تتطلب تعاون الصيادين والجهات الرقابية والمجتمع، مشيدًا بدور لجان سنن البحر كحلقة وصل فاعلة في تنظيم العمل البحري وحل الإشكالات، بما يخدم المصلحة العامة ويحافظ على الموارد البحرية.
وتظل حماية الثروة السمكية التزامًا وطنيًا يستوجب الالتزام بالتشريعات وتطبيق الممارسات المستدامة، وتعزيز الرقابة والتوعية، لضمان استدامة المخزون السمكي وصون البيئة البحرية للأجيال القادمة.





