الرياضة الواعية… نهج مستدام لتعزيز صحة الفرد وتوازن المجتمع

مسقط في 13 يناير 2026 /العُمانية/في ظل تسارع وتيرة الحياة وتزايد الانشغالات اليومية، تبرز الرياضة بوصفها أحد الركائز الأساسية لتعزيز صحة الإنسان النفسية والجسدية، إذ تؤكد الدراسات دورها في تحقيق التوازن السيكولوجي متى ما مورست بالشكل الصحيح وبما يتلاءم مع احتياجات الجسم، بما يضمن استدامة أثرها الإيجابي على المدى الطويل.
وفي هذا السياق، أوضح خليل بن خلفان البوسعيدي، رئيس قسم العلاج الطبيعي بدائرة الطب وعلوم الرياضة بوزارة الثقافة والرياضة والشباب، أن اختصاص العلاج الطبيعي يرتبط ارتباطًا مباشرًا بمختلف أنواع التمارين، ومن بينها ما يُعرف بـ«التمارين الواعية»، وهي تمارين تجمع بين الحركة البدنية والانتباه الواعي والتركيز على اللحظة الراهنة دون تشتت أو أحكام مسبقة.

وبيّن أن هذا النوع من التمارين يركز على الوعي بالجسم والتنفس والإحساسات الحسية أثناء الأداء، بدلًا من الممارسة الآلية أو التركيز فقط على النتائج، كزيادة الكتلة العضلية أو حرق السعرات الحرارية. ومن أبرز أمثلتها المشي الواعي الذي يعتمد على المشي ببطء مع التركيز على خطوات القدمين والتنفس، إضافة إلى تمارين التنفس المتزامنة مع رفع الأثقال.
وأشار في حديثه لوكالة الأنباء العُمانية إلى أن أهمية التمارين الواعية تكمن في تحسين جودة الأداء من خلال زيادة التركيز، وتقليل التوتر، وتعزيز التناسق الحركي، ما يجعل التمارين أكثر أمانًا وفاعلية، ويحد من خطر الإصابات الناتجة عن تجاوز الحدود الجسدية. كما تسهم في تقليل القلق والإجهاد، وتحسين المزاج، والمساعدة في التعافي من الإصابات عبر تخفيف الإحساس بالألم.

وأضاف أن هذه التمارين تُعد جزءًا أساسيًا من برامج التأهيل الرياضي، حيث تسهم في إعادة بناء الثقة بالجسم وتحسين الإحساس بالموقع، وقد أثبتت دراسات علمية منشورة في مجلات متخصصة في سيكولوجية الرياضة والتمارين البدنية دورها في تحسين التحمل والتركيز والأداء تحت الضغط.
وأوضح البوسعيدي أن البحوث الحديثة أظهرت فوائد واضحة للتمارين الواعية في حماية المفاصل من التآكل أو الإجهاد المبكر، نظرًا لاعتمادها على حركات بطيئة ولطيفة تقلل الضغط المباشر مقارنة بالتمارين عالية التأثير. كما تسهم في تحسين الوضعية الحركية وتوزيع القوى بشكل متوازن على المفاصل، وتعزيز الإحساس بالجسم، وتقوية العضلات الداعمة دون إجهاد زائد، مما يحد من فرص الإصابات على المدى الطويل، خاصة لدى كبار السن والمصابين بالتهابات المفاصل.

وحذّر من أن الأداء الخاطئ للتمارين قد يؤدي إلى تآكل مبكر والتهابات تنكسية في المفاصل، نتيجة الضغط غير المتوازن، وضرب أمثلة ببعض التمارين التي قد تشكل خطرًا عند أدائها بطريقة غير صحيحة، مثل القرفصاء مع انحناء الظهر أو تقدم الركبتين بشكل مبالغ فيه، مؤكدًا أهمية الالتزام بالتكنيك السليم.
وشدد على ضرورة الاستماع لإشارات الجسم أثناء التمرين، معتبرًا ذلك مبدأً أساسيًا في اللياقة البدنية والتأهيل الرياضي، إذ يساعد التمييز بين الألم العضلي الطبيعي والألم الحاد أو المفصلي الذي قد يشير إلى إصابة، محذرًا من أن تجاهل هذه الإشارات قد يقود إلى إصابات حادة أو مزمنة.
من جانبه، أكد محمد بن رضا اللواتي، اختصاصي نفسي، أن الأدبيات الحديثة في علم النفس الصحي وعلم الأعصاب تشير إلى أن الرياضة الواعية تُعد من أكثر التدخلات غير الدوائية فاعلية في دعم الصحة النفسية، خاصة في البيئات عالية الضغط. وأوضح أن توجيه الانتباه للتنفس والحركة يسهم في تفعيل الجهاز العصبي المسؤول عن الاسترخاء، ما يقلل من مستويات التوتر ويحسن الاستقرار النفسي.
وأضاف أن الرياضة الواعية تعزز التكامل العصبي بين مراكز التنظيم الانفعالي في الدماغ، مما يساعد على الاستجابة الواعية للضغوط بدلًا من التفاعل الاندفاعي، ويعزز المرونة النفسية على المدى المتوسط والطويل.

وأوضح اللواتي أن فشل بعض الأفراد في الاستمرار بممارسة الرياضة يعود غالبًا إلى طبيعة الدافعية، حيث إن الدوافع الخارجية المرتبطة بالمظهر أو المقارنة الاجتماعية تزيد من احتمالية الانقطاع، مقارنة بالدوافع الداخلية المرتبطة بجودة الحياة والرعاية الذاتية. ودعا إلى إعادة تشكيل النظرة المجتمعية للرياضة من ثقافة الإنجاز السريع إلى ثقافة الاستمرارية والوعي الذاتي.
بدوره، قال مؤيد بن حمد العبري، مدرب رياضي، إن الممارسة الصحيحة للرياضة تعني أداء التمارين بما يتناسب مع مستوى الفرد وقدراته، مع الالتزام بالتكنيك السليم، مؤكدًا أن الهدف من الرياضة هو تعزيز الصحة والنشاط لا تعريض الجسم للإجهاد أو الإصابة.
وأشار إلى أن من الأخطاء الشائعة البدء بمجهود عالٍ منذ الأيام الأولى، وإهمال الإحماء، وتقليد تمارين غير مناسبة من وسائل التواصل الاجتماعي، وعدم منح الجسم فترات راحة كافية، مما يؤدي إلى التعب السريع والإصابات، ويعيق بناء عادة رياضية مستدامة.
وأكد العبري أن اختيار التمارين يجب أن يعتمد على الهدف من الممارسة، والقدرة البدنية الحالية، ونمط الحياة اليومي، مشيرًا إلى أن أفضل رياضة هي تلك التي يمكن الاستمرار عليها دون ضغط نفسي أو جسدي. كما دعا إلى دمج الرياضة في الروتين اليومي بجرعات بسيطة تتراوح بين 20 و30 دقيقة، لتتحول مع الوقت إلى أسلوب حياة قائم على الأثر التراكمي للممارسات البسيطة والمستمرة.





