مَتى تَبعَثوها تَبعَثوها ذميمة

تحسين يقين

سؤال: إذا كانت الولايات المتحدة محققة لمصالحها، وضامنة لها فعلا، فلماذا تتكلف الحرب لتحقيق ما هو متحقق فعلا؟ أم أنها رغبة تملك المزيد؟ فإن كانت كذلك، فإنها مكلفة، وكان يمكن الوصول الى تسوية ما تجنبها مشاكل الحرب.
أستغرب ممن يقرأ التاريخ ولا يتعظ به، ولا يأخذ عبرا منه، ذلك إن التاريخ بما يحمل من سردية، قادر على صقل العقل والسلوك، وما ظهر فيلسوف أو مفكّر إلا وقد استقرأ التاريخ.
كانت نتيجة الحرب العالمية وراثة الاستعمار القديم لتركة الدولة العثمانية، التي أطلق عليها ب “رجل أوروبا المريض”، خصوصا الولايات العربية، بل أنه تم استلاب جزء منها قبل ذلك بقرن، كما حال احتلال الاستعمار الفرنسي للجزائر عام 1830. ثم كانت الحرب العالمية الثانية، بنتيجتها وهي تقاسم الولايات المتحدة التركة القديمة مع الاستعمار الأوروبي القديم، ثم شيئا فشيئا وراثتها، خصوصا بعد فشل العدوان الثلاثي على مصر. واستمرت الولايات المتحدة في سحب “البساط” من تحت أرجل الاستعمار القديم، في كل مكان ترغب به، وصولا الى حربي الخليج الأولى والثانية، والتي حسمت الأمر بوضع الولايات المتحدة يدها في المنطقة. واليوم، فإننا نتساءل عن شنّ حرب غير مبررة إلا إسرائيليا، خصوصا أنها تدرك أهمية التوازنات لها كدولة كبرى ليس في صالحها محاربة العالم، واكتساب كراهية الدول والأمم.
نعرف أن أسرار الحرب والسلام أكثر مما هو معلن، ونعرف أننا لا نعرف فعلا مجريات الحرب الآن، ولا نعرف المكاسب والخسائر، لكننا نعرف أن الكل خاسر، بما فيه دولة الاحتلال.
قبل 15 قرنا، كتب زهير بن أبي سلمى معلقته، وهي قصيدة حكيمة نُظمت لإرساء السلم وحثّ القبائل على نبذ الحرب، حيث مدح فيها هرم بن سنان والحارث بن عوف، لدورهما في إنهاء حرب داحس والغبراء بين عبس وذبيان. درستها في السنة الدراسية الأولى، التي تخصصت وقتها بالشعر الجاهلي، وكم تأثرنا بهذه القصيدة التي تضمن حكماً خالدة عن الحياة، والتزام العهود، وأخلاق العرب.
كنا في أول الحياة، نختبر التنافس والصراع، ونشهد الحروب، والأهم أننا كنا وقتها وما زلنا نقاسي الحال تحت الاحتلال، ثم لنشهد بدء اتفاقيات السلام، وصولا الى محطتي مدريد عام 1991، وأوسلو عام 1993، لعل وعسى.
بعد عقد من ترك مقاعد كلية الآداب، سأعود إلى قصيدة زهير بن أبي سلمى، بعد أن قرأت كتاب “الطعم في المصيدة: السياسة الاسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة 1967-1997، لشلومو غازيت، الذي ترجمه عليان الهندي، وصدر عن مؤسسة باب الواد رام الله عام 2001.
لماذا عدت؟ ما أعادني هو حوار تمّ بين موشي ديان وموسى العلمي في مشروع الإنشاء العربي، حين دخل ديّان على العلمي في مكتبه في مشروع الإنشاء العربي بأريحا، حيث تم ترديد بضع أبيات من قصيدة زهير بن أبي سلمى في سياق أوجاع الحروب:
وَما الحَربُ إِلّا ما عَلِمتُم وَذُقتُمُ وَما هُوَ عَنها بِالحَديثِ المُرَجَّمِ
مَتى تَبعَثوها تَبعَثوها ذَميمَةً وَتَضرَ إِذا ضَرَّيتُموها فَتَضرَمِ
فَتَعرُكُّمُ عَركَ الرَحى بِثِفالِها وَتَلقَح كِشافاً ثُمَّ تَحمِل فَتُتئِمِ
ويبدو أن الذي رددها هو ديّان، ولا أعرف بالطبع مصادر تكوينه، وربما سمع الأبيات من أحد ما، سياسيّ أو مستشرق، حيث كثر المستشرقون الإسرائيليون الذي درسوا الثقافة العربية.
أدرك ديّان المنتصر عسكريا بعد حرب عام 1967، معنى الحرب، وأنها في أحوالها جميعا تعني أن نتيجتها خسارة للجميع.
لقد أبدع الشاعر العربيّ قبل عقود طالت هذا المعنى، كما أدركه آخرون قبله وبعده، ولكن الإنسان يأبى إلا اللجوء لمنطق القوّة، بالرغم من ماهيتها المعروفة، والتي لا تحتاج لا لمحلل ولا من يعمل في الترجيم، أي التنبؤ. وهي ذميمة كما قال زهير العربيّ، وهي مذمومة دوما إلا في حالة واحدة وهي ردّ العدوان على الأوطان. لقد أبدع زهير في وصفها أكان بالنار التي تزيد، أو توليد الحروب من بعضها بعضا. وهذا يقودنا الى أن الأعداء على فلسطين، هو الذي يجرّ الحروب والمشاكل التي سيصعب إنهاؤها إلا إذا صفت النوايا فعلا، ولا نظن ان دولة الاحتلال قد كانت كذلك لا من قبل ولا من بعد، فهي غير مقتنعة أبدا بحق تقرير مصير شعبنا، وهي ماضية في سياسة التوسع الاستيطاني في الأرض المحتلة عام 1967، وكذلك تمضي في حرب إقليمية هدفها ليس حماية نفسها، بل ترسيخ نفسها كاستعمار يسطو على ممتلكاتنا وثرواتنا، ولسان حال ساسته الرسميين يتحدث عن دولة ما بين النيل والفرات، دون احترام حتى للدول التي عقدت معها اتفاقيات سلام.
وعودة الى السؤال الذي افتتحنا به، ما الذي يجبر دولة كبرى لهكذا حرب كان يمكن تجنبها فعلا، حيث تعاطى ساسة إيران إيجابيا في مفاوضات البرنامج النووي الإيراني.
وما الذي يدفع بالولايات المتحدة لشنّ اعتداء على دولة بعيدة عن حدودها؟ وهل يكفي أن يكون السبب نفور دولة الاحتلال من وجود أي جيش قويّ غير جيشها الذي تسلحه لضمان تفوقه؟ ألا تخشى أمريكا على هيبتها؟ ألا تفكّر من وجود تعاون من منافسين من تحت الطاولة للعمل ضدها: الصين وروسيا؟
لقد كانت الولايات المتحدة تربح في حروبها بسبب قوتها العسكرية، وإن لم تربح الحروب تماما، أكان ذلك في فيتنام أو أفغانستان، ولكنها ربحت تماما شيئا آخر، ألا وهو كراهية الشعوب لها.
تسلح الولايات المتحدة وهي الدولة العظمة دولة الاحتلال، وتستنكر تسليح إيران لحزب الله اللبناني، علما أنها تدرك ان للآخرين مصالح كما للآخرين. ولا ملائكية في العلاقات الدولية سلما وحربا.
لماذا تعتدي إسرائيل المحتلة على فلسطين ولبنان وإيران؟ ولماذا تبيّت الشرّ والمكر تجاه دول أخرى خصوصا مصر؟ ولماذا تستمر في خلق تحالفات مع الهند واليونان له علاقة بتنافس دول وصراعاتها؟ ولماذا كل هذه الشرور؟ ومتى ستدرك أن حل القضية الفلسطينية حلا عادلا هو طريق السلام؟
طريق الحرب هي ما نرى، وطريق السلام معروفة لمن يريد أن يسلكها، وهكذا فكلّ وما يختار من خسائر له قبل الآخرين، وللاستعمار وحلفائه ان يستمروا في بعث الحرب الذميمة. ولكن ليس هناك ضمان أبديّ للتفوّق خصوصا إذا كان غير أخلاقي.

مجلة “الواحة العُمانية” تُصدر عددًا خاصًا بمناسبة الذكرى السادسة لتولي جلالة السلطان هيثم بن طارق مقاليد الحكم
زر الذهاب إلى الأعلى