مسقط التاريخية.. متحفٌ مفتوح يجسّد الهُوية العُمانية

مسقط في 8 فبراير 2026 /العُمانية/تتجلى مدينة مسقط التاريخية اليوم كمعلم ثقافي وحضاري متكامل، ومقصد سياحي بارز، تشكّل المتحف الوطني قلبه النابض ونقطة انطلاقه، حيث تستلهم البيوت القديمة بلونها الأبيض، وأسوارها، وقلاعها الشامخة، ذاكرة حضارية عميقة أسهمت في إثراء تاريخ منطقة الخليج العربي وغرب المحيط الهندي منذ قرون. وتحافظ مسقط على هذا الإرث من خلال مشروعات متواصلة للصون والتأهيل، وإيجاد فضاءات اجتماعية وثقافية وترفيهية وتجارب حضارية متنوّعة، تعزز مكانتها كمدينة نابضة بالأصالة والتاريخ.
وقال سعادة جمال بن حسن الموسوي، الأمين العام للمتحف الوطني، إن المتحف يعمل على مشروع متكامل لتأهيل مسقط التاريخية لتغدو متحفًا مفتوحًا متعدد المواقع والتجارب، يضم المتحف الوطني، ومتـاحف خاصة وتخصصية، وقصورًا تاريخية مثل بيت الجريزة، وبيوتًا تراثية كبيت السيد نادر وبيت السيدة مزنة وبيت السيدة عالية، إضافة إلى فضاءات تربوية كالمـدرسة السعيدية، وفضاءات حضرية متنفسة للمجتمع المحلي مثل باغ السعيدية وباغ المدبغة.
وأوضح في حديثه لوكالة الأنباء العُمانية أن مشروعات إعادة التأهيل تركّز على إعادة البيوت التاريخية التابعة للمتحف إلى حالتها الأصلية، وإزالة الإضافات الدخيلة التي أُدخلت عليها باستخدام المواد الحديثة، مع إحياء المعرفة التقليدية في تصنيع مواد البناء والمعالجات الداخلية والخارجية، والأرضيات والجدران والأسقف، بالاعتماد على المواد التي استُخدمت في مسقط عبر مئات السنين وأثبتت كفاءتها واستدامتها.
وأضاف أن إعادة تشكيل الفضاءات الداخلية من حيث الأبعاد والمقاسات تمثل جانبًا محوريًا في أعمال التأهيل، مؤكدًا أن التراث المعماري في مسقط تأثر عبر التاريخ بالتواصل الحضاري مع الثقافات الأخرى، وهو ما يؤخذ في الاعتبار خلال عمليات الترميم والتأهيل.
وأشار إلى أن بيت أبو دينة، الذي آل إلى المتحف الوطني بعد أن فقد طابعه التاريخي نتيجة إعادة بنائه، يجري حاليًا تأهيله ليكون نموذجًا للعمارة المسقطية في القرن الحادي والعشرين، بما يوازن بين متطلبات الحياة المعاصرة والأسس المعمارية التقليدية من حيث الكتل والفراغات والتفاصيل الحرفية في أعمال التشطيبات والتجهيزات الداخلية.
وتطرّق سعادته إلى منظومة المتحف الوطني متعددة المواقع، موضحًا أن برنامج الحفظ والصون في بيت الجريزة سيستمر حتى نهاية عام 2026، على أن يتم افتتاح قاعاته ومرافقه تدريجيًا خلال العام. كما تشهد بيوت السادة البوسعيديين التاريخية، وفي مقدمتها بيت السيد نادر وبيت السيدة مزنة، مراحل متقدمة من الأعمال الكهربائية والميكانيكية وأنظمة الأمن والتكييف، تمهيدًا لأعمال التشطيبات النهائية والتجهيز الداخلي.
ويُعد بيت السيد نادر أحد أبرز منازل أسرة البوسعيد في مسقط، ويُرجح تاريخ بنائه إلى الثلث الأول من القرن التاسع عشر الميلادي، وقد تنقّل استخدامه عبر مراحل متعددة قبل أن تؤول ملكيته إلى المتحف الوطني، ليبقى مع بيت السيدة مزنة وبيت فرنسا من آخر ما تبقى من البيوت التاريخية في المدينة.
وفي سياق مسقط الخارج، أشار الأمين العام إلى مشروع تأهيل بوابة مسقط لتحويلها إلى مركز للزوار يعرّفهم بالتجارب الثقافية المتاحة في محيط مسقط التاريخية، مع توقع إعادة تشغيلها بنهاية العام الجاري، إلى جانب مشروع تطوير مبنى المدرسة السعيدية، الذي افتتح عام 1940م، لإعادته إلى حلته الأصلية مع الحفاظ على عناصره المعمارية والداخلية، ليؤدي دورًا تربويًا وثقافيًا، ويحتضن متحفًا متخصصًا يوثق تاريخ المدرسة وأثرها في منظومة التعليم، إضافة إلى مسرح تفاعلي للطفل، وفصول لتنمية المواهب الفنية والإبداعية، على أن يستغرق تنفيذ المشروع من أربع إلى خمس سنوات.
وبيّن سعادته أن من المشروعات المجتمعية الجاري تنفيذها مشروع باغ السعيدية، كحديقة نموذجية تخدم المجتمع المحلي وتتيح للزوار مساحة للاسترخاء والتأمل في المحيط الحضري المعاد تأهيله، إلى جانب مشروع باغ المدبغة كفضاء اجتماعي وثقافي وترفيهي. كما أشار إلى مشروع إنشاء جناح للفنون التشكيلية العُمانية في الموج مسقط، بالتعاون مع وزارة الثقافة والرياضة والشباب، ومشروع توثيق أسماء الحلل والحارات في مسقط الداخل والخارج، بهدف إحياء الذاكرة المكانية وتعزيز ارتباط المجتمع المحلي وزوار المدينة بتاريخها العريق.





