أسرار …و حكايات من الطرقات

حمود بن علي الطوقي

شاءت الأقدار أن أطلب سيارة أجرة عبر تطبيق O Taxi، ولم أكن أعلم أن الرحلة القصيرة ستتحول إلى حكاية طويلة تختزن في طياتها شيئًا من واقع بعض شبابنا.
كعادة الزبائن، يبدأ الحديث خفيفًا: سلامٌ وسؤالٌ عن الحال. كان السائق شابًا عشرينيًا، هادئ الملامح، يحمل في صوته رضا لا يخلو من تعب. تبادلنا التعارف، فاكتشفت أنه من محافظة شمال الشرقية… وأنا من ذات المحافظة. هنا سقط الحاجز سريعًا، وصار الطريق أقصر، والكلام أصدق.

سألته عن عمله، فقال ببساطة:
“أعمل في قيادة سيارة الأجرة وهذا مصدر دخلي فلم ، أوفَّق في الحصول على وظيفة مناسبة فهذا قدري . أقضي يومي في الطرقات ونقل الركاب، واقطع مسافات طويلة من أجل لقمة العيش والحمد لله على كل حال.”
لم يكن في صوته شكوى، بل واقعية ممزوجة بإصرار. سألته عن مساره اليومي، فقال:
“ليس لي مسار محدد… عملي مرتبط بطلبات الزبائن.”
ثم أضاف مبتسمًا: في كثير من الأحيان ياتينا طلب من ركاب أجانب خاصة في المراسم السياحية هنا نتعامل مع السائح بتقدير ونعتبره ضيف ونحاول أن نعرّفهم بعُمان، وبأماكنها وعاداتها.وتقاليدها وما تزخر من مقومات والإرث التاريخيّ والحضاري
عندها خطر ببالي سؤال أكبر: اوجهه للقائمين في وزارة التراث والسياحة
أليس من الممكن أن نُؤهّل هؤلاء الشباب بدورات تدريبية ليصبحوا مرشدين سياحيين؟
هم يجوبون الطرقات يوميًا، يلتقون بالناس من مختلف الجنسيات، ويملكون فرصة حقيقية ليكونوا سفراء لعُمان، لا مجرد سائقين. فالسائق الذي يعرف تاريخ المكان ويجيد تقديم المعلومة، يمكن أن يكون جزءًا من منظومة سياحية متكاملة ترفع جودة التجربة وتعزز دخله في آنٍ واحد.

عدتُ إلى صاحبي واسمه خالد وسألته: “وماذا عن عملك في الليل؟”
تنهد قليلًا، ثم قال:
عملي لا يرتبط بساعات محددة. أبدأ منذ الصباح الباكر، وأتنقل بين الطلبات تباعًا. إذا شعرت بالإرهاق، أدخل إلى احدى المساجد مسجد القريبة الآخذ قسطا من الراحة وأستجمع طاقتي، ثم أعود إلى الطريق. وفي المساء يزداد احيانا النشاط فأواصل العمل ما دامت الطلبات مستمرة، لأن دخلي يرتبط بعدد الرحلات التي أنفذها.
وتابع : إذا كنت في مسقط ولم أعد إلى ولايتي، فلا أملك مكانًا ثابتًا أقيم فيه. أبحث عن موقع آمن، وأمضي ليلتي في السيارة. وهذا حال كثير من الشباب الذين يعملون في هذا المجال. حياتنا تدور في محيط المركبة؛ ملابسنا وأغراضنا معنا دائمًا، أما الملابس المتسخة فنتركها في المغسلة عند ( الدوبي) فنترك الملابس المتسخة ونلمس الملابس المغسولة وهذا اصبح من الروتين .
اما وجباتنا نتناولها في المطاعم، الرخيصة ويومنا يمتد بحسب حركة الطلبات. لا يوجد وقت محدد للراحة، فنحن نتحرك وفق إيقاع الطريق.”
ثم أضاف بهدوء:
“هو عمل متعب، لكنه يبقى عملًا شريفا بدلا من التسكع في المجمعات او نتحول إلى فئة الباحثين عن العمل . نحمد الله عليه.”
حين أنهى خالد حديثه، أدركت أن السيارة لم تعد مجرد وسيلة نقل، بل مساحة حياة كاملة تختصر يومًا طويلًا، وطموحًا مؤجلًا، وصبرًا لا يُعلن نفسه إلا لمن يصغي جيدًا.
ثم جاءت اللحظة التي لن أنساها.
عندما أوصلني إلى المنزل، أخرجت هاتفي لأحوّل له الأجرة. ابتسم وقال:
“لا… لا آخذ المبلغ من راعي بلادي.”
جملة صادقة خرجت بعفوية، من هذا الشاب الخلوق لكنها حملت شيئًا من النبل والسمت العُماني الأصيل. أصررت عليه أن يقبل المبلغ، فقبل التحويل بعد تردد. طويلا
وقبل أن يغادر قلت له:
“بإذن الله نزوركم في وادي نام… ونحضر عرسك.”
ابتسم ابتسامة فيها حياء وأمل مؤجل، وقال: “تشريف زيارتك… لكن العرس؟ هذا حلم لا أدري كيف سيتحقق ونحن في هذا الوضع.”
لم تكن كلماته يأسًا، بل حسابًا واقعيًا لمعطيات الحياة: دخل غير ثابت، سكن غير مستقر، ومستقبل يحتاج إلى وضوح أكبر.
خالد الشاب الطموح. لا يمثل حالة فردية، بل نموذجًا يتكرر . شباب يعملون بجد، لكنهم يفتقدون إلى عنصر الاستقرار . وهنا لا يكفي التعاطف، بل نحتاج إلى مبادرة جادة لمساعدة هؤلاء الشباب نحتاج إلى التفكير الجاد في توفير وحدات سكنية ( بيوت الشباب) بأسعار ميسّرة للشباب العاملين خصوصًا أولئك القادمين من المحافظات. نحتاج الى مبادرات لتوفير لهم مساكن بسيطة ومنظمة برسوم مناسبة، تحفظ كرامتهم وتمنحهم الحد الأدنى من الاستقرار. فالشاب الذي يعمل طوال يومه لا ينبغي أن يختتم يومه في مقعد سيارة. فاعتقد يجب على صندوق الحماية الاجتماعية أن تلتفت لهذه الفئة ويتم تسجيلهم ضمن منظومة صندوق الحماية الاجتماعية ، لضمان التغطية التأمينية والاستقرار المستقبلي. لهم فالعمل الحر لا ينبغي أن يضع صاحبه خارج مظلة الحماية الاجتماعية
خالد وأمثاله من الشباب الطموح لا يطلبون امتيازات استثنائية، بل فرصة عادلة ونظام حماية يضمن لهم مستقبل أفضل . فالإنسان العُماني ليس رقمًا في إحصائية، بل هو روح النهضة وغايتها، وبه تُقاس قوة الأوطان، وبه تستمر المسيرة.

مجلة “الواحة العُمانية” تُصدر عددًا خاصًا بمناسبة الذكرى السادسة لتولي جلالة السلطان هيثم بن طارق مقاليد الحكم
زر الذهاب إلى الأعلى