دول الخليج أكثر قوةً وصلابةً في مواجهة التحديات

بقلم الكاتبة : نجاة بنت علي شویطر
كاتبة من البحرين

«لقد صدقوا بأن الفرس قومٌ بُغاةٌ يرغبون لنا المنیّّة»
الشاعر الشاب إبراھیم طارق منصور
بعد مرور شھرٍ على الھجوم الإیراني الغاشم الذي استھدف دول الخلیج العربي ،یتأكد للجمیع أن ما جرى لم یكن حادثًًا عابرًًا أو اعتداءً محدود الأثر، بل كان محاولةً آثمة لزعزعة أمن المنطقة واستقرارها ،واستهدافها مباشرًًا لمنظومة خلیجیة مترابطة یجمعھا التاریخ والمصیر المشترك وروابط الأخوة الراسخة .ومع قسوة ھذا الحدث ،فقد كشف في المقابل عن الحقیقة الأھم: أن دول الخلیج أكثر قوةً وصلابةً وقدرةً على مواجهة التحديات ،وأنھا تمتلك من عناصر التماسك والوحدة ما یجعلھا قادرة على تجاوز أصعب الأزمات.
لقد ترك ھذا العدوان آثارًًا نفسیة واضحة في نفوس الشعوب الخلیجیة ،ولا سیما الأطفال وكبار السن ،الذین تأثروا بأصوات الانفجارات وصفارات الإنذار ،وھي مشاھد لم تألفھا مجتمعات الخلیج من قبل وعاشت الأسر حالةً من الترقب والقلق ،واضطرت بعض العائلات إلى الانتقال مؤقتًًا إلى أماكن أكثر أمانًًا ،ومنھا مراكز الإیواء التي بادرت الحكومات إلى تجھیزھا بكفاءة وسرعة .كما سُُجلت حالات وفاة وإصابات بین المواطنین والمقیمین نتیجة سقوط بعض شظایا الصواریخ والطائرات المسیّّرة، الأمر الذي خلّّف أثرًًا نفسیًًا عمیقًًا امتد إلى مختلف أرجاء دول الخلیج.
أما على الصعید الاقتصادي والتجاري ،فقد كان للعدوان أثر مباشر على عدد من الأنشطة الحیویة .فقد اضطربت حركة الطیران في المنطقة ،وأُُغلقت بعض المجالات الجویة كإجراء احترازي ،كما تأثرت الأسواق المالیة ،وارتفعت تكالیف التأمین على الشحن البحري ،مما انعكس على حركة التجارة. واضطرت بعض المنشآت إلى تعلیق أعمالھا مؤقتًًا بسبب الأضرار التي لحقت بھا .
وعلى مستوى البنیة التحتیة ،سُُجلت أضرار في بعض المواقع القریبة من المناطق المستھدفة ،شملت احتراق بعض واجھات المباني وتعطل بعض الخدمات ،رغم التدخل السریع والفاعل من فرق الطوارئ التي نجحت في إعادة الأوضاع إلى طبیعتھا في وقت قیاسي .كما برزت مخاوف مشروعة تتعلق بالبیئة ،لا سیما في ظل استھداف منشآت الوقود والطاقة ،وما قد یترتب على ذلك من مخاطر التلوث البیئي وتلوث میاه الخلیج العربي.
وفي خضم ھذا المشھد ،كان من أكثر ما أثار الدھشة والاستغراب ما تكشّّف من مواقف بعض ضعاف النفوس ،ممن خانوا الأمانة الوطنیة وانجرفوا خلف الموقف الإیراني المعتدي ،في سلوكٍ لا ینسجم مع قیم الولاء والانتماء التي عُُرفت بها شعوب الخليج العربي .لقد شكّّل ھذا الأمر صدمةً مؤلمة ،إذ إن الخطر الخارجي یظل متوقعًًا ،أما أن یصدر ما یمس أمن الوطن من بعض أبنائھا فذلك أشد وقعًًا وأعمق أثرًًا .
غیر أن ھذه الفئة المحدودة والشاذة لم تمثل یومًًا ضمیر الشعب الخليجي الأصیل ،بل زادت من تماسك الصف الوطني ،ورسّّخت القناعة بأن الخليج عصي على كل محاولات الاختراق والعبث.
وفي مقابل ھذه الأضرار، برزت الصورة الأبهى للتكاتف الخليجي ،حیث تجلت وحدة الصف في المواقف الرسمیة والشعبیة ،في رسالة واضحة للعالم بأن الروابط التي تجمع دول الخلیج أقوى من أي تھدید، وأنھا قادرة على تجاوز المحن مستندةً إلى تاريخ طويل من التضامن والعمل المشترك.
فمن الجانب الأمني ،برزت جاھزیة دول الخلیج العالیة ،وتم التعامل مع التھدیدات عبر أنظمة الدفاع الجوي بكفاءة كبیرة ،مع رفع مستوى الجاھزیة في مختلف القطاعات الحیویة ،حرصًًا على حمایة المكتسبات الوطنیة وضمان سلامة المواطنین والمقیمین .وقد أثبتت المنظومات الدفاعیة الخلیجیة كفاءتھا العالیة وقدرتھا على التصدي للمخاطر.
أما سیاسیًًا ،فقد تعزز التنسیق بین دول الخلیج بصورة لافتة ،وأكدت المواقف الرسمیة أن أمن دول المجلس كل ٌّ لا یتجزأ ،وأن أي اعتداء على دولةٍ منھا ھو اعتداء مباشر على الجمیع .كما شھدت الساحة تحركات دبلوماسیة مكثفة وإدانات واسعة للعدوان الإیراني الغاشم ،بما یعكس وحدة الرؤیة والمصیر.
وعلى الرغم من قسوة الحدث ،فقد تجلت روح الأخوة والتكافل بین الشعوب الخلیجیة ،بحكم ما یجمعھا من علاقات اجتماعیة وأسریة وتاریخیة راسخة ،وتوحّّدت المواقف الشعبیة خلف القیادات الحكیمة، في مشھدٍ مشرّّف یجسد وحدة الصف في أوقات الشدة.
وقد حرصت القیادات الخلیجیة على التمسك بالحلول السلمیة والدبلوماسیة التي تحفظ أمن الخلیج واستقراره ،وأثبتت للعالم أن ھذه التحدیات لا تزیدھا إلا قوةً وتماسكًًا ،وتدفعھا نحو مزید من التعاون والتكامل ،وتعزیز منظومات الأمن والدفاع المشترك .وفي ھذا السیاق ،لعبت المملكة العربیة السعودیة دورًًا محوریًًا وقیادیًًا في دعم دول الخلیج ،جامعةً بین الحزم في مواجھة التحدیات ،والحكمة في إدارة الأزمات ،فكان ابرز ما قامت به السعودية ھو تسخیر مطاراتھا حیث خصصت لكل دولة خلیجیة مطارا بدیلا ،كما سمحت بدخول الشاحنات المبردة الفارغة من دول مجلس التعاون الخليجي الى المملكة لنقل البضائع لدول الخليج عبر موانئها ومطاراتها بدون أي رسوم لتعزيز التبادل التجاري وتسهيل سلاسل الإمداد خاصة المواد الغذائية سريعة التلف ، بما رسّّخ مكانتھا كقائد إقلیمي یعتمد علیه في أصعب الظروف.
فلتطمئن القلوب الخلیجیة ،ولتتحد الصفوف ،فدول الخلیج قویة بقیاداتھا الحكیمة التي تضع أمن وسلامة مواطنیھا في مقدمة أولویاتھا ،ومتینة بشعوبھا الوفیة ،وعصیّّة على كل من یحاول المساس بأمنھا واستقرارھا .فجیوشھا الباسلة ورجال أمنھا الأوفیاء یقفون الیوم سدًًا منیعًًا لحمایة الأرض وصون المكتسبات، بما یمنح شعوب الخلیج الطمأنینة والثقة بأنھم في أیدٍ أمینة.
حفظ ﷲ الخلیج ،قیادةً وجیوشًًا ورجال أمنٍ وشعبًًا ،من كل شر ومكروه ،وأدام علیھم نعمة الأمن والأمان والاستقرار.

مجلة “الواحة العُمانية” تُصدر عددًا خاصًا بمناسبة الذكرى السادسة لتولي جلالة السلطان هيثم بن طارق مقاليد الحكم
زر الذهاب إلى الأعلى