الاحتشام في عُمان: هوية أخلاق وطمأنينة مجتمع

زاهر بن سيف بن سلطان المسكري

في زمنٍ تتسارع فيه التحولات الثقافية وتتشابك فيه الهويات، تظل بعض المجتمعات راسخةً في قيمها، متجذّرةً في أخلاقها، تُعبّر عن ذاتها بسلوكها قبل مظهرها، وبمبادئها قبل شعاراتها. ومن بين هذه المجتمعات، تبرز سلطنة عُمان نموذجًا فريدًا في المحافظة على هوية الاحتشام، فهي قيمة إنسانية راقية تنبع من عمق الإيمان وجمال الأخلاق.

إن اللباس المحتشم في عُمان انعكاس حيّ لمنظومة أخلاقية متكاملة، تستمد جذورها من تعاليم السماء، ومن سيرة الأنبياء والصالحين. ويكفي أن نستحضر صورة مريم بنت عمران، التي اصطفاها الله ورفع قدرها، فجعل منها رمزًا خالدًا للعفة والطهارة، لتكون قدوة للنساء في كل زمان ومكان. كما أن بيوت النبوة التي جمعت أمهات المؤمنين، زوجات محمد بن عبد الله ﷺ، كانت مدارس للأخلاق والحياء، خرّجت نماذج إنسانية عظيمة لا تزال آثارها حيّة في وجدان الأمة.

وفي عُمان، لم تكن هذه القيم حبيسة الكتب أو الخطب، بل تجسدت واقعًا حيًا في حياة الناس، وخصوصًا في المرأة العُمانية التي حملت هذا الإرث العظيم، فكانت مثالًا للعفة والوقار، ومصدرًا لتربية أجيالٍ نشأت على الشرف والنبل. فمن تحت عباءة الأمهات العُمانيات العفيفات، خرج الرجال الأشراف والنساء الفاضلات المصانات والصائنات جيلًا بعد جيل، يحملون معهم قيم الاحترام، ويجسّدون صورة المجتمع المتماسك.

ولعل من أبرز ما يميز المجتمع العُماني، هو ذلك الإحساس العميق بالأمن والطمأنينة الذي يشعر به الإنسان في طرقاته وأسواقه. فحين يسير المرء في شوارع عُمان، يلمس بعينه وقلبه ذلك الانسجام بين المظهر والسلوك، حيث يكسو الاحتشامُ المشهدَ العام، ويضفي عليه هدوءًا ووقارًا ينعكس إيجابًا على النفس.

ومع انفتاح عُمان على العالم، واستقبالها لزوار من مختلف الثقافات، تبرز مسؤولية الحفاظ على هذه الهوية، من باب التعريف الحضاري الراقي. فالسائح حين يأتي إلى عُمان، يتطلع لاكتشاف روح المكان وثقافته بجانب بحثه عن الطبيعة الخلابة أو المواقع السياحية. وهنا يأتي دور الجهات المعنية، وعلى رأسها وزارة السياحة، في تقديم صورة واضحة عن القيم المجتمعية، ومن بينها الاحتشام، بأسلوب حضاري لطيف.

إن توفير لوحات إرشادية في الأماكن السياحية – كالشواطئ ابتداءً بشاطئ القرم الممتد من العذيبة غربًا وحتى القرم شرقًا وسائر شواطئ البلاد، والمتنزهات أينما كانت جغرافيتها من الدهاريز في محافظة ظفار وحتى خيران محافظة مسندم – توضح أهمية اللباس المحتشم، هو دعوة لاحترام ثقافة المجتمع والاستمتاع بعاداته وتقاليده، وهو أمر معمول به في كثير من دول العالم التي تعتز بهويتها. بل إن التجربة تثبت أن السائح، متى ما وُجّه بلطف واحترام، فإنه يتجاوب ويُقدّر هذا التوجيه، ويشعر براحة أكبر لانسجامه مع محيطه.

كما أن وجود فرق توعوية ميدانية تتعامل بأدب ولين مع الزوار، يعزز من صورة عُمان كبلد يجمع بين الأصالة والانفتاح، وبين الثبات على القيم وحسن استقبال الآخر. فالمعادلة يسيرة: هوية واضحة، وتواصل راقٍ، ونتيجة ذلك مجتمع متوازن ينعم فيه الجميع بالأمن والسكينة.

إن الاحتشام في عُمان لغة أخلاق، ورسالة حضارية، وجسرٌ من الطمأنينة يربط بين الإنسان وذاته ومجتمعه. ومن حق هذا البلد العريق أن يحافظ على هذه الجوهرة، وأن يقدّمها للعالم كما هي: نقية، أصيلة، ومشرقة.

مجلة “الواحة العُمانية” تُصدر عددًا خاصًا بمناسبة الذكرى السادسة لتولي جلالة السلطان هيثم بن طارق مقاليد الحكم
زر الذهاب إلى الأعلى