من وحي جلسة الشورى الأخيرة لمناقشة وزير العمل…نحو سوق عمل صحي ومتوازن في السلطنة…

كتب / سعيد بن مسعود المعشني

يكفي أن يتابع المرء مداخلات أصحاب السعادة أعضاء مجلس الشورى وردود معالي الدكتور وزير العمل، ليدرك أن النقاش الدائر حول سوق العمل في السلطنة لا يزال أسير التشنج، ويفتقر إلى الجدية المطلوبة لمعالجة الإشكاليات الهيكلية العميقة. فالمشهد يتكرر بذات المفردات، والاتهامات، والحلول السطحية، وكأن الزمن توقف عند نقطة بعينها؛ تتغير الوجوه، لكن الخطاب والسياسات لا تتغير.
وعلى مدى مسيرتي المهنية ومتابعتي لهذا الملف، لم ألمس تحولًا حقيقيًا في جوهر المطالبات ولا في أدوات المعالجة الحكومية. فالمجلس يكرر خطابًا شعبويًا مدفوعًا بحسابات انتخابية مفهومة، والحكومة تستجيب في الغالب استجابة تكتيكية هدفها امتصاص الضغط وشراء الوقت، لا تفكيك المشكلة من جذورها. والنتيجة أن سوق العمل لا يُدار بوصفه منظومة اقتصادية متكاملة، بل كملف سياسي مؤجل.
إذا أردنا مقاربة جادة لمشكلة الباحثين عن عمل وتشوهات سوق العمل في عُمان، فلا بد أولًا من إعادة تعريف المشكلة نفسها. فالعامل العماني لا ينبغي أن يُنظر إليه على أنه عبء على القطاع الخاص، بل أصل اقتصادي يجب الاستثمار فيه. غير أن السياسات الحالية – خصوصًا سياسات التعمين الإلزامي – تنطلق من فرضية ضمنية خاطئة، مفادها أن العماني غير قادر على المنافسة إلا بقوة القانون. هذه الفرضية لا تسيء للعامل العماني فحسب، بل تضعف القطاع الخاص ذاته، لأنها تدفعه إلى توظيف شكلي يحقق نسبًا رقمية، لا قيمة إنتاجية.
تجارب الدول التي نجحت في توطين الوظائف لم تبدأ بفرض النسب، بل ببناء الإنسان. ففي دول مثل سنغافورة وكوريا الجنوبية، لم يكن المواطن محميًا بالقانون بقدر ما كان محصنًا بالكفاءة. الدولة استثمرت في التعليم التطبيقي، وربطت مخرجاته بحاجات السوق، وخلقت بيئة تنافسية لا تمييز فيها بين المواطن والأجنبي إلا بقدر الإنتاجية. المواطن هناك لا يُوظف لأنه مواطن، بل لأنه الأفضل.
إشكالية أخرى لا تقل خطورة تتعلق بهيكل الأجور. فالتمييز الصريح بين العماني وغير العماني في الحد الأدنى للأجور، مع شغل الوظيفة نفسها وبالمؤهل ذاته، خلق تشوهًا عميقًا في سوق العمل. فعندما يصبح العماني الأعلى تكلفة والأكثر التزامًا قانونيًا، دون أن يقابل ذلك فرق حقيقي في الإنتاجية، فإن القطاع الخاص – بطبيعته – سيتعامل معه كخطر مالي لا كفرصة. وعند أول أزمة، يكون العماني أول من يُنظر إليه بوصفه بندًا يمكن الاستغناء عنه لأنه الأعلى تكلفة.
في كثير من الاقتصادات المتقدمة، لا يوجد حد أدنى مزدوج للأجور على أساس الجنسية، بل حد أدنى موحد تحكمه طبيعة العمل لا هوية العامل. الأجر هناك انعكاس للقيمة المضافة، لا للجواز الذي يحمله الموظف. أما في حالتنا، فقد تحول الأجر إلى أداة حماية اجتماعية مقنّعة، تُدار عبر سوق العمل بدلًا من أن تُدار عبر منظومة الضمان الاجتماعي.
أما قانون العمل ذاته، فهو أحد أبرز مصادر التشوه. فقد صيغ في أجزاء واسعة منه بمنطق تمييزي لا يخدم لا العامل ولا صاحب العمل. فمن غير المنطقي أن يُمنح الموظف العماني مرونة شبه مطلقة في إنهاء العلاقة التعاقدية، بينما تُجرّم الشركة وتُشيطن لمجرد محاولة إنهاء الخدمة، حتى وإن كانت الأسباب جوهرية ومثبتة.
في الاقتصادات الصحية، العلاقة بين العامل وصاحب العمل علاقة تعاقدية متوازنة، تحكمها الحقوق والواجبات المتبادلة، لا العاطفة ولا الخطاب الشعبوي.
إن سوق العمل لا يصلح بالقوانين وحدها، ولا بالشعارات الوطنية وحدها، بل برؤية اقتصادية شجاعة تعترف بأن الحماية المفرطة تقتل التنافسية، وأن التمييز – حتى لو كان بنية حسنة – يخلق نتائج عكسية. وإذا لم ننتقل من إدارة الأزمة إلى معالجة جذورها، سنظل لعقود ندور في الحلقة نفسها: بطالة مقنّعة، قطاع خاص متوجس، وعامل وطني يشعر بأنه محمي بالقانون، لا مُقدَّر بالكفاءة.
سوق العمل الصحي لا يُبنى بالمجاملات، بل بالحقائق. والحقائق – مهما كانت قاسية – أقل كلفة من استمرار الدوران في الوهم.

زر الذهاب إلى الأعلى