“الطابور الخامس”

كتب/ سعيد بن مسعود المعشني

في مسقط، لم تكن العلاقة مع إيران يومًا نزوة سياسية عابرة، ولا مجاملة دبلوماسية فرضتها ضرورات اللحظة. لقد حفظت عُمان — في عهد السلطان الراحل قابوس بن سعيد — جميلًا قديمًا لشاه إيران، حين وقف إلى جانبها في مواجهة المدّ الشيوعي، دفاعًا عن عُمان وعن استقرار الخليج ومنابع نفطه. ويواصل جلالة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله- النهج ذاته في إدارة علاقة تقوم على الاتزان والواقعية. تلك صفحة من التاريخ لا ينكرها منصف، ولا يتنكر لها من يعرف أن السياسة — قبل أن تكون مصالح — هي أيضًا ذاكرة ووفاء.
غير أن التاريخ شيء، وسلوك الأنظمة شيء آخر. فمنذ أن وصل أصحاب العمائم إلى السلطة في طهران عقب الثورة الإيرانية، اتخذت عُمان لنفسها موقع “الإطفائي” في حرائق المنطقة؛ كلما قرر متهور هناك افتعال أزمة مع جيرانه أو مع العالم، انبرت الدبلوماسية العُمانية لإخمادها، حفاظًا على الاستقرار الإقليمي، وأحيانًا على حساب مصالحها المباشرة. فعلت ذلك انطلاقًا من رؤية دولة تسعى إلى السلام والتنمية، لا إلى تسجيل النقاط.
لكن المشكلة أن نظام الملالي في طهران لم يتصرف يومًا بعقل الدولة الوطنية. مشروعه لم يكن وطنيًا إيرانيًا بقدر ما كان أيديولوجيًا توسعيًا، يرى في الجغرافيا العربية ساحة مفتوحة لتصفية حساباته وثاراته. لا يهمه مذهب القتيل ولا انتماؤه السياسي؛ المهم أن يموت في خدمة مشروع يتغذى على الأزمات ويعيش عليها. مشروع شوفيني مغلق، لا يقل في إقصائيته عن أي مشروع متطرف آخر عرفته المنطقة.
قلتُ مرارًا إن إيران — بهذه العقلية — دولة لا صديق لها. لأن الصداقة تُبنى على المصالح المتبادلة والاحترام، لا على تصدير الثورات، ولا على بناء النفوذ فوق أنقاض العواصم. مشروع يحمل في خطابه بذور فنائه، لأنه قائم على نفي الآخر لا التعايش معه.
المؤلم حقًا ليس سلوك طهران؛ فذاك متوقع ومتسق مع مسارها منذ 1979. المؤلم أن تجد بيننا من يبرر، ويجادل، ويخاصم أشقاءه دفاعًا عنها. قرأتُ وسمعتُ خلال السنوات الماضية أصواتًا من أبناء هذا الوطن تهاجم القريب قبل البعيد، وتلتمس الأعذار لإيران في كل منعطف، وكأنها وصيّة على المنطقة أو حارس لمصالحها.
واليوم، وبعد أن اشتعلت الحرب، وبعد أن طالت النيران أهدافًا مدنية قبل العسكرية في أكثر من بقعة خليجية، لا يزال البعض يعزف اللحن ذاته: تحليل يراوغ، تبرير يلتف، لعب على المصطلحات، وتوزيع للاتهامات يمينًا ويسارًا… إلا إلى حيث ينبغي أن تُوجَّه.
لهؤلاء توصيف سياسي معروف: “الطابور الخامس”. وهو — بالمناسبة — ليس شتيمة، بل وصف لحالة. حين تُستهدف بلادك بالصواريخ والمسيّرات، ثم تنشغل أنت بتلميع صورة من يستهدفها، وتبحث له عن أعذار، فأنت لا تمارس رأيًا حرًا بقدر ما تتنصل من بديهيات الانتماء.
في أوقات الرخاء تختلط الأصوات وتضيع الحدود بين الرأي والموقف. أما في الأزمات والحروب، فتنكشف الحجب وتسقط الأقنعة. ليس مطلوبًا من أحد أن يصفق للحرب أو يهلل للدمار، لكن الحد الأدنى أن يُسمّي الأشياء بأسمائها، وأن يضع مصلحة وطنه فوق كل اعتبار.
قد يكون بين المبررين سذّج مأخوذون بسحر الشعارات، وقد يكون بينهم من يظن أنه يمارس استقلالية فكرية. لكن في زمن النار، الكلمة موقف، والموقف انحياز. ومن اختار أن ينحاز خارج وطنه، فعليه أن يتحمل مسؤولية قراره.
وليس بعد النذر عذر.

مجلة “الواحة العُمانية” تُصدر عددًا خاصًا بمناسبة الذكرى السادسة لتولي جلالة السلطان هيثم بن طارق مقاليد الحكم
زر الذهاب إلى الأعلى