المجتمع العُماني يعزّز يقظته الإعلامية بالوعي والاعتماد على المصادر الرسمية

مسقط في 14 مارس 2026 /العُمانية/ أكّد عدد من المختصين والمعنيين أن المجتمع العُماني يُظهر مستوى متقدمًا من اليقظة الإعلامية، من خلال تزايد الوعي بأهمية التحقق من المعلومات والاعتماد على المصادر الرسمية الموثوقة، خاصة في ظل تسارع الأحداث الإقليمية، مستندًا إلى ثقافة مجتمعية تقوم على التروي والمسؤولية في تداول الأخبار.
وأشاروا إلى أن هذه اليقظة الإعلامية تمثل نتاجًا لتراكم معرفي وثقافي وإرث وطني يعزز ثقة المواطن بمؤسساته الرسمية، إلى جانب تنشئة اجتماعية تشجع على التبصر في التعامل مع الأخبار وتعزيز قيم المسؤولية الفردية والجماعية عند تداول المعلومات، مع الحرص على استقاء الأخبار من الجهات المعتمدة.

وقالت الدكتورة صابرة بنت سيف الحراصية، أكاديمية وباحثة تربوية، إن المتابع للتفاعل المجتمعي في سلطنة عُمان يلاحظ قدرًا واضحًا من الاتزان في التعاطي مع الأخبار والشائعات مقارنة ببعض البيئات الأخرى، الأمر الذي يثير التساؤل حول العوامل التي أسهمت في تكوين قدر من المناعة المجتمعية ضد التهويل أو الانجرار وراء الأخبار غير الموثوقة.
وأوضحت أن هذا النمط من التعاطي مع الأخبار لا يرتبط بعامل واحد، بل هو نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل الاجتماعية والسياسية التي تشكّلت عبر التجربة العُمانية، وأسهمت في بناء علاقة متوازنة بين المجتمع والدولة، إضافة إلى منظومة من القيم والأنماط الإدراكية التي تشجع على التروي وعدم تضخيم الأحداث.
وبيّنت أن طبيعة العلاقة التاريخية بين المجتمع العُماني والدولة لعبت دورًا مهمًا في ترسيخ هذا النهج، إذ عُرفت السياسة العُمانية بالاعتدال والحكمة وبناء علاقات تقوم على الاحترام والتعاون مع مختلف الأطراف، ما عزز صورة الدولة بوصفها دولة مستقرة ذات سياسات متوازنة تحظى بتقدير إقليمي ودولي.
وأضافت أن هذا المسار أسهم في تعزيز الثقة المجتمعية، حيث يشعر كثير من أفراد المجتمع بأنهم جزء من هذا المنجز الوطني، وأن السمعة الإيجابية التي اكتسبتها الدولة هي حصيلة جهود متراكمة ينبغي الحفاظ عليها وتعزيزها.
وأشارت إلى أن هذا الوعي ينعكس في الخطاب المجتمعي، حيث يحرص العديد من الأفراد على عدم تقويض تلك الجهود أو الإسهام في إضعافها، بل يتعاملون مع القضايا العامة بروح المسؤولية، إدراكًا منهم أن حضورهم في النقاشات العامة، بما في ذلك الفضاء الرقمي، يعكس صورة وطنهم.
وأكدت أن الثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع لا تقتصر على مستوى القبول السياسي، بل تتجلى أيضًا في السلوك الاجتماعي اليومي، حيث يميل الأفراد إلى التعامل مع الأخبار بقدر من التروي وتجنب الخطابات التي قد تضخم الأزمات أو تشوه الواقع، مع بقاء مساحة الاختلاف في إطار المسؤولية الوطنية.
وأوضحت أن هذا النمط يتجلى كذلك في التفاعل مع الأخبار عبر منصات التواصل الاجتماعي، إذ تميل شريحة واسعة من المستخدمين إلى قراءة الأحداث في ضوء الثقة بسياسات الدولة، مع الحرص على عدم تضخيم المشكلات أو تحويل الاختلافات إلى صراعات حادة، وغالبًا ما يسود خطاب يدعو إلى التثبت والتروي وتقديم قراءة هادئة للأحداث، بما يعكس وعيًا اجتماعيًا يضع الاستقرار المجتمعي في مقدمة الأولويات.
وبيّنت أن هذا التريث في تداول الأخبار أو التحفظ في الانجرار خلف الشائعات ليس سلوكًا عابرًا، بل يعكس تفاعلًا طويل الأمد بين التنشئة الاجتماعية وطبيعة العلاقة بين المجتمع والدولة والثقافة العامة التي تشجع على الاتزان في إدارة الأحداث.

من جانبه قال الإعلامي عبدالله بن ناصر السعيدي إن المجتمع العُماني عُرف تاريخيًا بتماسكه وتعايشه السلمي وانفتاحه المتزن، مع محافظته في الوقت ذاته على هويته الوطنية وإدراكه لأهمية وحدته.
وأضاف أن الشخصية العُمانية تتسم بحسن الخلق واحترام الآخرين والتمسك بالقيم والمبادئ الأصيلة، وهو ما يشكّل مدخلًا مهمًا لفهم الوعي الوطني في التعامل مع التحديات والأحداث التي تمر بها سلطنة عُمان والمنطقة.
وأشار إلى أن المجتمع العُماني يقف إلى جانب المظلومين والمستضعفين ويحرص على وحدة الصف، لكنه في الوقت ذاته يميل إلى الحكمة والاعتدال في التعبير عن مواقفه، موضحًا أن الشخصية العُمانية بطبيعتها تنأى عن خطاب التهييج أو الاستقطاب الحاد وتميل إلى قراءة الأحداث بعقلانية واتزان.
وبيّن أن ما تشهده المنطقة من توترات وصراعات، ومنها الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران وما خلفته من تأثيرات على دول الخليج، يقابله المجتمع العُماني بوعي واتزان في تعاطيه مع المستجدات، حيث يقف صفًا واحدًا مع مؤسساته الوطنية في مواجهة التحديات.
وأضاف أن المجتمع يحرص على استقاء المعلومات من مصادرها الموثوقة، مدركًا أهمية الكلمة في مثل هذه الظروف، ومتجنبًا الانجرار إلى حوارات الفتنة أو الفرقة، في انسجام مع الجهود الوطنية المبذولة لتعزيز الاستقرار.
وأكد أن وسائل الإعلام الوطنية في سلطنة عُمان تؤدي دورًا مهمًا في مواكبة الأحداث بمهنية ومسؤولية، مشيدًا بجهود وزارة الإعلام عبر تلفزيون سلطنة عُمان ووكالة الأنباء العُمانية والمنصات الإلكترونية الرسمية، إضافة إلى القطاع الإعلامي باللجنة الوطنية لإدارة الحالات الطارئة، في نقل المعلومات الدقيقة والموثوقة للجمهور وتقديم تغطية متزنة تسهم في رفع مستوى الوعي وتعزيز الثقة بالمصادر الوطنية.

من جانبه أكد ناصر بن محمد الشحري، مشرف تربوي بوزارة التعليم، أن متابعة الأخبار العالمية لا ينبغي أن تقتصر على مصدر واحد مهما بلغت درجة الثقة به، مشيرًا إلى أن التجارب أثبتت إمكانية تسلل معلومات غير دقيقة حتى عبر بعض وكالات الأنباء المعروفة.
وأوضح أن مصدر المعلومة يمثل عنصرًا أساسيًا في التعامل مع الأخبار، لافتًا إلى أن المعلومات خلال الأزمات والحروب تتحول إلى أداة تُستخدم لخدمة المصالح المختلفة، ما يؤدي إلى انتشار كميات كبيرة من الأخبار المغلوطة التي قد تؤثر في استقرار الدول ومصالحها.
وبيّن أنه في الشأن المحلي تبقى الأولوية للخبر الصادر عن المصادر الرسمية مثل وكالة الأنباء العُمانية، نظرًا لما تتميز به من دقة في نقل المعلومات وتوصيف الأحداث.
وأضاف أن دعم الخطاب المسؤول وتجنب نشر الخوف أو القلق بين أفراد المجتمع يمثل مسؤولية مشتركة، تبدأ بمناقشة الأخبار كما هي دون تهويل أو مبالغة، مع التمييز بين الخبر الموثوق والتحليل الشخصي الذي قد يخطئ أو يصيب.
وشدد على أهمية توضيح طبيعة المعلومات المتداولة، سواء كانت خبرًا موثوقًا أم رأيًا شخصيًا، مؤكدًا أن الحفاظ على طمأنينة المجتمع وسِلمه أهم من السبق في نشر الأخبار.
وأشار إلى أن بإمكان المواطن الإسهام في تعزيز الوعي الإعلامي داخل أسرته ومحيطه عبر تجنب استغلال الأحداث لجذب التفاعل، والالتزام بتمرير تنبيهات الجهات الرسمية، وتفنيد الأخبار الكاذبة من خلال التحقق من المعلومات ورفض نشرها أو تبريرها.

من جهته قال الباحث الاجتماعي مبارك بن خميس الحمداني إن الأخبار والمعلومات المضللة تمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه المجتمعات المعاصرة، نظرًا لقدرتها على التأثير في الرأي العام وإثارة القلق لدى الأفراد، وهو تأثير قد يوازي في خطورته بعض الأزمات المادية مثل الحروب أو الكوارث.
وأوضح أن تماسك المجتمع وقوة الروابط الاجتماعية بين أفراده يمكن أن يسهم في مواجهة هذه التحديات، من خلال عدة جوانب، من بينها تخفيف القلق الفردي عبر دعم الجماعة، وتعزيز القدرة المشتركة على فهم الأحداث وتنظيم الانفعالات تجاهها.
وأضاف أن المجتمعات المتماسكة تستفيد أيضًا من تفاوت مستويات الوعي والمعرفة بين أفرادها، حيث يسهم الأكثر وعيًا في دعم الآخرين وتوجيههم، ما يعزز القدرة الجماعية على التمييز بين المعلومات الصحيحة والمضللة.
وأشار إلى أن القلق خلال الأزمات يُعد أمرًا طبيعيًا يدفع الأفراد إلى متابعة الأخبار بكثافة، غير أن الإفراط في متابعة الأخبار السلبية قد يؤدي إلى ما يُعرف بالإجهاد المعلوماتي، نتيجة التدفق المستمر للأخبار والسرديات المختلفة التي يصعب على الذهن استيعابها.
وبيّن أن هناك عوامل عدة قد تجعل بعض الأفراد أكثر عرضة لتصديق الشائعات، من بينها ضعف مهارات التفكير النقدي، والاستخدام غير المنضبط لوسائل التواصل الاجتماعي، إضافة إلى غياب معايير واضحة لتحديد مصادر المعلومات الموثوقة.
وأكد أن المجتمع العُماني يواصل ترسيخ ثقافة التعامل الواعي مع المعلومة، من خلال الإقبال على المصادر الموثوقة والابتعاد عن التهويل والشائعات، خاصة في ظل التطورات الإقليمية المتسارعة، بما يعكس رسوخ الوعي المجتمعي وقدرة المواطنين على الإسهام في حماية استقرار وطنهم وتعزيز تماسكه.





