رمضان بين اللقاءات الودية والمباهاة الاستعراضية

نمير بن سالم آل سعيد

تتصدر اللقاءات الرمضانية هذا العام المشهد المحلي بحضورها اللافت وتفاعلها الكبير، ويتوافد المدعوون إلى المجالس والقاعات والساحات، ليلتقوا بمن تربطهم بهم صلات القرابة والصداقة والصحبة، أو الجيرة والمعرفة، أو بمن يوحدهم المجال الواحد والنشاط المشترك، أو من تضمهم المؤسسة التي يعملون بها.

وكأنَّ شهر رمضان يمنح الناس سببًا طبيعيًا للاجتماع، ومساحة مشروعة من أجل اللقاء، لا تتكرر كثيرًا في بقية شهور العام. وتسير هذه اللقاءات نحو الاطمئنان على الأحوال وتبادل الأفكار والآراء، واستحضار الذكريات المشتركة، والحديث عن المستجدات وما قد تحمله الأيام من أحداث، وغيرها من أمور. وفي مناسبات أخرى كمناسبة عقد القِران أو مجالس العزاء أو اللقاءات الرسمية، يحضر الناس ثم يغادر كل في طريقه بعد أداء الواجب، دون الالتفات كثيرًا للآخرين أو تسني الفرص لقضاء وقت بينهم والتحدث بتفاعل معهم.

أما في اللقاءات الرمضانية؛ فتستمر المجالس بعد الإفطار وبعد صلاة التراويح، ويتواصل اللقاء وتخف الحواجز الرسمية، وتكون الفرصة مناسبة للتقارب وزيادة التعارف وتوثيق أواصر المودة.

غير أن هذه اللقاءات الرمضانية الجامعة مرهونة بصدقها وبساطتها وتواضعها؛ فليس الغاية منها المباهاة والشهرة، واستعراض البعض فيها ذواتهم وممتلكاتهم ومجالسهم وسياراتهم الفارهة، من أجل تقمص أدوار الأهمية المصطنعة، أو إضفاء على النفس “البرستيج” المفتعل.

ويستدعون لذلك مجموعة متنوعة من المُؤثِّرين لإجراء التغطيات الإعلامية وإجراء المقابلات الصحفية وإثارة ضجة إعلامية على مواقع التواصل الاجتماعي؛ بما لا يتناسب مع طبيعة هذه المناسبة الخاصة ومحدودية نطاقها ومستوى أهميتها؛ بل يذهب البعض إلى أبعد من ذلك بتوزيع شهادات تقدير أو إقامة تكريمات دون صفة قانونية تخولهم بذلك، وبلا اعتماد من جهة رسمية، والقيام بهذا الفعل المعلن غير المصرح به غشامة ليس بعدها غشامة، مغلق أبوابها.

وإذا كان هناك ثمة من هو جدير بمنح الاستحقاق والتكريم فالجهات الرسمية المعنية هي الأدرى بمن يستحق التكريم ومتى وأين!

أما الاقتحام غير المنظم لهذا الدور فهو تجاوز مستهجن غير مقبول.

وتتحول هذه الشهادات والتكريمات بذلك إلى عشوائية غير مدروسة، فاقدة لقيمتها ومعناها مقدمة ممن ليس ذي صفة.

والأفضل إبقاء هذه اللقاءات الرمضانية الخاصة في حجمها الطبيعي، وهي تظل مجرد دعوة خاصة للإفطار أو العشاء، ولقاء ودي بسيط بين الناس، أو هكذا يفترض أن يكون؛ فلا يجب الإفراط في الفعل والمبالغة في المظاهر، وادعاء البعض لدور ريادي ليس لهم فيه صلة أو نصيب.

ومهما تسللت بعض هذه الشوائب الاستغلالية المزيفة من أجل البروز المصطنع والمباهاة الاستعراضية؛ فهي لا تقنع إلا القليل أو ربما لا تقنع أحدا؛ فهي مجرد مقتحمة لمجال ليس مجالها ودور ليس بدورها.

القيمة الحقيقية لهذه اللقاءات الرمضانية تكمن في التجمع الهادي بروح رمضانية كريمة تقوم على التواضع والألفة والمحبة، لا على تحويل هذه اللقاءات إلى منصة للتفاخر والاستعراض من أجل تغذية النرجسية المريضة الكامنة في ذوات هؤلاء، ومن هم على شاكلتهم جميعًا.

•المصدر : جريدة الرؤية

مجلة “الواحة العُمانية” تُصدر عددًا خاصًا بمناسبة الذكرى السادسة لتولي جلالة السلطان هيثم بن طارق مقاليد الحكم
زر الذهاب إلى الأعلى