وجع يسكب لا يكتب فاجعة بلدة “القرية” بوادي الحيملي

إبراهيم السالمي
- كاتب وشاعر عماني
لم تكن فاجعة بلدة “القرية” بوادي الحيملي حدثا عابرا أقصى ما يمكن أن يكون ردة فعل الأفراد والدولة بمؤسساتها وكياناتها المعنية تجاه الفاجعة أن يفرد له مساحة في فقرات الأخبار، بل هي جرس إنذار ثقيل وغليظ، يوقظ فينا أسئلة قديمة تجاهلناها كثيرا في سوابق واقعة ولكن على معيار أخف من المصاب والفجيعة في قريتنا وقرى أخرى شبيهة. خمسة أطفال فقدوا حياتهم في لحظة، طفلان من القرية بوادي الحيملي، وثلاثة أطفال من نيابة الحوقين، واثنان ما زالا في العناية المركزة.
القصة لم تبدأ من لحظة الانفجار، بل من زمن مهمل مهمول أسبق بكثير، مكتوب على بيوت “القبض” الطينية الموجودة في كل قرية من القرى العمانية القديمة بمختلف محافظات السلطنة.
أطفال في أيام العيد، يحملهم الفضول والبراءة، يلعبون بمفرقعات، ثم يدخلون بيتا طينيا مهجورا، من تلك البيوت التي اعتدنا وجودها في قرانا دون أن نلتفت إلى ما قد تخبئه. في داخل هذا البيت، كان بارود قديم، مخزون منذ زمنٍ بعيد (دليلي في ذلك قوة الانفجار)، ربما لم يعد أحد من الورثة أو أهل القرية يعلم بوجوده. وفي لحظة واحدة من لحظات الفضول الطفولي، جمعت بين شرارة عابرة وخطر كامن، فكانت النتيجة فاجعة.
هذه الحادثة لا تخص بلدة “القرية” وحدها، بل تعيد فتح ملف معروف في معظم قرى سلطنة عمان، خاصة القرى العريقة التي عرفت أنماط التحصين والدفاع، ما يُعرف ببيوت “القبض” أو “العود” أو بيوت المراقبة، لم تكن مجرد مبان سكنية، بل كانت جزءا من منظومة الأمن في زمنها، تُخزن فيها الذخيرة والبارود والسلاح. ومع مرور الوقت، هجرت هذه البيوت، وتوفي أصحابها، وبقي ما بداخلها دون حصر أو معرفة دقيقة.
المشكلة لا تكمن في وجود هذه البيوت بحد ذاتها، بل في إهمال التعامل معها منا نحن الأهالي، ومن الجهات المعنية المسؤولة عن متابعة مواطن الضرر ومكامنه. فكم من مرة سمعنا عن حوادث مشابهة، وكم من طفل تأذى نتيجة العبث بما عثر عليه داخل هذه البيوت، بدافع الفضول لا أكثر. بل إن ما حدث في القرية ذاتها من حوادث شبيهة ولكن بعيار أخف من حيث وقع المصاب والمصيبة، وكذلك في القرى المجاورة كما حدث في قرية “الخطوة” بوادي الحيملي قبل فترة من الزمن، كان مثالا واضحا على خطورة هذا الأمر، وإن كان الحظ حينها قد خفف من حجم الفاجعة.
من هنا، فإن التعامل مع هذا الملف مسح البيوت الطينية القديمة أمر ضروري حتى لا تتكرر الحادثة، فما عشناه من ألم الفقد وذعر الواقعة لا نتمناه أن يحدث عن أي عائلة لا قدر الله.
أعيد ندائي في هذا المقال أننا في حاجة ملحّة إلى مسح ميداني شامل لهذه البيوت المهجورة، بالتنسيق بين الجهات المختصة والأهالي، للتأكد من خلوها من أي مواد خطرة، والتعامل مع ما يُكتشف منها وفق إجراءات آمنة.
في الجانب الآخر من المشهد، تبرز مسألة المفرقعات، التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى ظاهرة لافتة، خصوصا في مواسم الأعياد. لم تعد هذه المفرقعات وسائل ترفيه بسيطة، بل أصبحت في كثير من الأحيان ذات قوة صوتية وتأثير يفوق ما كان مألوفا، حتى باتت تضاهي أصوات الأسلحة في بعض الحالات.
فالمشكلة لا تتوقف عند الإزعاج أو الخطر المباشر، بل تمتد إلى سلوكيات الأطفال أنفسهم بدافع الشغف أحيانا. فأطفالنا -يا قوم- اليوم يتعرضون بشكل يومي لمشاهد العنف والتفجيرات عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل، ومع توفر هذه المفرقعات، يصبح التقليد أمرا متوقعا. ومن هنا تبدأ سلسلة من السلوكيات التي قد تبدو في ظاهرها لعبا، لكنها تحمل في طياتها مخاطر حقيقية. ورغم تكرار الحوادث المرتبطة بالمفرقعات في مناطق مختلفة من السلطنة، إلا أن التعامل معها لا يزال دون المستوى المطلوب، سواء من حيث التنظيم أو الرقابة.وهذا يطرح ضرورة مراجعة القوانين والتشريعات المتعلقة بها، وتشديد الرقابة على تداولها، بالتوازي مع تعزيز الوعي المجتمعي بمخاطرها.
اللهم ارحم الأطفال الذين قضوا في هذا الحادث الأليم، واجعلهم في جناتك منعمين، وألهم أهلهم الصبر والسلوان.
اللهم اشفِ المصابين شفاء تاما، وأعدهم إلى ذويهم سالمين معافين.
ويبقى السؤال الأهم، هل ننتظر فاجعة أخرى أم نتعلم هذه المرة؟





