من المعرفة إلى الاقتصاد… عُمان ترسّخ منظومة الابتكار لبناء مستقبل قائم على الإبداع

مسقط في 5 مايو 2026 /العُمانية/ تمضي سلطنة عُمان بخطى متسارعة نحو ترسيخ اقتصاد المعرفة بوصفه أحد الركائز الأساسية للاقتصاد الوطني، من خلال تعزيز البحث العلمي وتحويل مخرجاته إلى منتجات اقتصادية ذات قيمة مضافة، عبر دعم الشركات الناشئة والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، بما يسهم في تحقيق عوائد مستدامة للمبتكرين والاقتصاد على حد سواء.

وفي هذا الإطار، أوضح عادل بن إبراهيم الفزاري من هيئة البحث العلمي والابتكار أن سلطنة عُمان أولت اهتمامًا متزايدًا بالمؤشرات العالمية، وعلى رأسها مؤشر الابتكار العالمي، الذي يُعد أداة رئيسة لقياس التقدم نحو مستهدفات “رؤية عُمان 2040”، مشيرًا إلى أن هذا التوجه تعزّز عبر لقاءات مباشرة مع المختصين وورش العمل والزيارات الميدانية التي أسهمت في بلورة توصيات عملية لتطوير القطاع.
وبيّن أن الابتكار أصبح محركًا استراتيجيًا للتنمية المستدامة، مدعومًا بإطار تشريعي ومؤسسي متكامل، تمثّل في إنشاء هيئة البحث العلمي والابتكار، التي تعمل على توفير بيئة محفزة لرعاية الأفكار الإبداعية وتنمية القدرات الوطنية.
وأشار إلى أن هذه الجهود أسهمت في بناء منظومة وطنية متكاملة للابتكار، مدعومة ببرامج ومبادرات متعددة تشمل تمويل البحوث، ودعم النشر العلمي، وبناء القدرات، وإنشاء الحاضنات والكراسي البحثية، إلى جانب تعزيز دور المؤسسات الأكاديمية كمراكز للإبداع.

وأكد أن هذه المبادرات تمثل دعامة أساسية لتمكين الشباب العُماني، من خلال توفير خارطة طريق واضحة قائمة على الاستراتيجية الوطنية للابتكار، بما يعزز ثقتهم في تحويل أفكارهم إلى مشاريع واقعية، بالتكامل مع مختلف الجهات المعنية.
ولفت إلى أن دور الهيئة لا يقتصر على الدعم الفني والتمويلي، بل يمتد إلى الجوانب التشريعية والتوعوية، خصوصًا في ما يتعلق بحماية الملكية الفكرية، وتطوير السياسات المحفزة، وتنفيذ برامج تدريبية مستمرة، بما يسهم في ترسيخ ثقافة الابتكار وتعزيز الثقة المجتمعية بقدرات الشباب.
وأوضح أن الهيئة تتبنى نهجًا تشاركيًا في تصميم برامجها، من خلال إشراك الشباب في عمليات التقييم والتطوير، وتنظيم ورش العمل واللقاءات المفتوحة، بما يضمن تلبية احتياجاتهم الفعلية، إلى جانب تنفيذ مراجعات دورية لتحسين السياسات وتعزيز فاعليتها.

من جانبه، أشار المحامي الدكتور محمد بن إبراهيم الزدجالي إلى أن النظام الأساسي للدولة الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (6/2021) وضع أسسًا راسخة لدعم الابتكار، مؤكدًا أن التعليم والبحث العلمي يشكّلان محورًا رئيسًا في بناء الشخصية الوطنية وتنمية المواهب.
وأضاف أن سلطنة عُمان حققت تقدمًا ملموسًا في مؤشر الابتكار العالمي لعام 2025 بحلولها في المرتبة 69 من بين 139 اقتصادًا، ما يعكس فاعلية السياسات والتشريعات الداعمة لمنظومة الابتكار.
وبيّن أن القوانين أسهمت في تهيئة بيئة محفزة لريادة الأعمال، من خلال تبسيط إجراءات تأسيس الشركات، وتوفير أطر تنظيمية مرنة، إلى جانب إطلاق برامج تدريبية تستهدف تنمية المهارات وتحفيز التفكير الإبداعي لدى الشباب.
كما أشار إلى أن التشريعات ركّزت على تعزيز مبادئ الحوكمة والشفافية، وحماية حقوق المبتكرين عبر منظومة متكاملة للملكية الفكرية، تشمل قوانين حقوق المؤلف وبراءات الاختراع والنماذج الصناعية، بما يضمن حماية الأفكار من الاستغلال غير المشروع ويعزز الثقة في بيئة الأعمال.

بدوره، أوضح المبتكر محمود بن محمد الهنائي أن سلطنة عُمان وفّرت خلال السنوات الأخيرة منظومة دعم متطورة للمبتكرين، أصبحت أكثر سهولة في الوصول بفضل المنصات الرقمية ووسائل التواصل، مشددًا على أهمية نشر الوعي بالمسارات القانونية، خاصة ما يتعلق بحماية الابتكارات.
وأشار إلى ضرورة تنظيم برامج تعريفية مبسطة للشباب حول الإجراءات القانونية والتحديات المحتملة، مؤكدًا إمكانية الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي لتقديم إرشادات فورية وتوجيه المبتكرين نحو برامج الدعم المناسبة.
وأكد أن بناء ثقافة الابتكار يبدأ من المراحل التعليمية المبكرة، من خلال برامج تعريفية تغرس مفاهيم الإبداع في أذهان الطلبة، مشيرًا إلى أن الابتكار يبدأ بفكرة تحتاج إلى رعاية وتوجيه حتى تتحول إلى منتج يخدم المجتمع.
كما شدد على أهمية التكامل بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والإعلام، لدعم الابتكارات وتسليط الضوء على جدواها الاقتصادية، بما يعزز الاستثمار في هذا المجال.
من جانبها، أكدت براءة بنت يوسف العوفية، الرئيسة التنفيذية لشركة “علمفاي”، أن البيئة التنظيمية والقانونية في سلطنة عُمان شهدت تطورًا ملحوظًا، مما أتاح للشباب مساحة آمنة لتجربة أفكارهم وتحويلها إلى مشاريع واقعية.
وأضافت أن قصص النجاح المحلية تمثل مصدر إلهام للشباب، إذ تعزز ثقتهم بقدراتهم، وتؤكد أن النجاح ممكن من خلال الاجتهاد والدعم والبيئة الحاضنة، مشيرة إلى أن ذلك يسهم في تحويل الطموحات إلى مبادرات فاعلة تدعم بناء اقتصاد قائم على المعرفة والتقنية.





