بعيدًا عن الصخب: ماذا أنجزت الخطة الخمسية العاشرة؟ ومتى ننتقل فعلاً إلى الحادية عشرة؟

كتب/ سعيد بن مسعود المعشني
تابعتُ المؤتمر الصحفي السنوي لمعالي وزيري المالية والاقتصاد على هامش إعلان الموازنة العامة للدولة، وما تخلله من حديثٍ عن “الإطار المالي لخطة التنمية الخمسية الحادية عشرة” بوصفها امتدادًا طبيعيًا لمسار التخطيط التنموي في السلطنة. ورغم ما سيق من إنجازات وأرقام في المؤتمر — ومع كامل الاحترام للجميع — إلا أن بعض الملاحظات لا تحتمل أن تُرحَّل خمس سنوات أخرى، لأن ترحيل الأسئلة أصلاً أصبح جزءًا من المشكلة، لا عرضًا جانبيًا لها.
أول تلك الملاحظات أن أصحاب المعالي أشارا إلى أن “خطة التوازن المالي انتهت”. وهذه عبارةٌ مرسلة تحتاج إلى دليل عملي. إذ كيف انتهت الخطة بينما ما زالت قوانينها وإجراءاتها حاضرةً في جيب المواطن وسلوك السوق؟! فمنطقيًا، مفاعيل قرارات لجنة التوازن المالي لم تغادرنا بعد، بل إنها مستمرة وتعمل بكامل طاقتها، وما زلنا نعيش نتائجها اليومية: الضرائب، والرسوم، وإعادة هيكلة الدعم، وتغيير فلسفة الإنفاق العام. وإن كانت الخطة قد “انتهت” فعلًا، فأين مراجعة التشريعات المالية والضريبية التي صدرت خلالها؟ وأين إلغاء ما استُحدث منها أو تعديل ما أثبت عدم عدالته أو محدودية جدواه؟ أم أننا اعتبرنا النهاية “إعلانية” فقط… بينما السياسات باقية كأن شيئًا لم يكن؟
الملاحظة الثانية أكثر حساسيةً وخطورة: إذ تشير الإحصاءات والتقارير الرسمية الصادرة مع نهاية الخطة الخمسية العاشرة إلى أن نسبة الإنجاز تجاوزت “التسعينات” في معظم المحاور والبرامج. لكن واقع الحال يقول عكس ذلك تمامًا؛ فالمنجز الحقيقي — إذا تحدثنا بصدق بعيدًا عن التلاعب بالنسب — لا يتعدى نسبةً هامشية لا تليق بالرقم المُعلن. إذ جرى — بوضوح — إدراج الجزء الأكبر من البرامج تحت بندٍ مطاطي اسمه: “في طور التنفيذ”. وهو تعبيرٌ آخر يعني: إنجازٌ مؤجل.
وهنا يبرز السؤال المشروع: إذا كانت أكثر من 70% من برامج الخطة العاشرة — وفق التقارير الرسمية نفسها — ما تزال “في طور التنفيذ”، فماذا تبقى إذن من معنى الخطة الخمسية أصلًا؟ وكيف نطمئن إلى أن مستهدفات وبرامج الخطة الخمسية الحادية عشرة ستُنفَّذ، إذا كانت برامج الخطة التي انتهت مدتها رسميًا ما تزال معلقةً بين الأرض والسماء؟ هل نحن أمام خطط تُنفّذ، أم أمام “قوائم رغبات” تتجدد كل خمس سنوات، وتُعاد صياغتها بالمفردات ذاتها، وبالوعود ذاتها، وبالنتائج ذاتها؟
نحن نفهم تمامًا حجم الصعوبات والضغوط التي واجهت الحكومة خلال تنفيذ الخطة الخمسية العاشرة — من جائحة عالمية، إلى ثقل الدين العام، إلى تشوهات هيكل الاقتصاد — لكن هذه الصعوبات لا تبرر توظيف الأرقام والإحصاءات لتحسين الصورة العامة للأداء لأغراض إعلامية فقط. كما لا تبرر تقديم “التقرير الختامي” بوصفه حصاد إنجازات بينما الواقع يقول غير ذلك، خصوصًا أن السياسات نفسها مستمرة بلا مراجعة، وبلا اعترافٍ صريح بالتعثر، وبلا مصارحةٍ تكشف للناس أين أصبنا وأين أخطأنا منذ الخطة الخمسية الأولى.
وهنا يبرز السؤال الأكبر، الذي يظل حاضرًا فوق كل حديثٍ عن “إطار مالي” أو “مؤشرات” أو “نسب”: هل الخطط تُكتب لتُنفّذ؟ أم أن كلام الليل يمحوه النهار؟





